تعريب العلوم

تعريب العلوم ضرورة حضارية

ليس في وسع أمة أن تعيش عيشة محترمة، وتصون كرامتها ما لم تضطلع بالعلم اعتماداً على لغتها في المقام الأول.

ومن هذا المنطلق تسعى كل الأمم إلى استعمال لغاتها القومية من أجل التواصل الحقيقي بين المعلم والمتعلمº حيث دلت الدراسات التربوية على أن أصلح لغة للتعليم هي اللغة التي يفكر بها الطالب كلما كان ذلك ممكناًº كي لا يفكر بلغة، ويعبر بلغة أخرى، وتكمن الضرورة كذلك في سهولة الاتصال بين المعلم وطلابه، وتوفير جو النقاش العلمي الخالي من الحرج والتكلف الذي تسببه الترجمة أحياناً.

إن التعريب حتمية لا مفرَّ منها إذا كنا نريد التقدم علمياً وبصورة فعلية، هذه الحقيقة استوعبها علماء الحضارة الإسلامية عندما ترجموا معارف السابقين إلى اللغة العربية، واستوعبها أيضاً الغربيون عندما ترجموا علوم الحضارة الإسلامية في أوائل عصر النهضة الأوروبية الحديثة، وتعيها اليوم كل الأمم التي تدرس العلوم بلغاتها الوطنية، في سعي حثيثٍ, نحو المشاركة الفعَّالة في إنتاج المعرفة، وتشييد صرح الحضارة المعاصرة….إن أمر تعريب العلم والتعليم أضحى ضرورة من ضرورات النهضة العلمية والتقنية التي ينشدها العرب، والحديث عن هذه الضرورة قد تجاوز الآن مرحلة الإقناع بالأدلة والبراهين المستقاة من حقائق التاريخ، ومعطيات الواقع المعاش، وعلينا أن ننتقل إلى مرحلة التخطيط والتنفيذ، وفق أسس وضمانات منهجية مدروسة، وعن طريق آليات ومؤسسات قادرة على إنجاز المشروع الحضاري

الأزمة أزمة إنسان لا أزمة لسان:

من العجيب أن نرى جمهرة من الأساتذة العرب يقاومون تعريب العلوم تحت دعوى أن اللغة العربية غير قابلة لتعليم هذه العلوم، وأنه لكي نصل للمستوى العلمي اللائق يجب تدريس العلوم بلغات أجنبية، إلى جانب عدم توفر المراجع العربية لهذه العلوم.

ويرى المتخصصون أن معظم العارفين ممن عايشوا محاولات التعريب أجمعوا على أن السبب الأهم وراء فشل أو عرقلة إمكانية نجاح حركات تعريب العلوم كان لا يزال من موقف هيئات التدريس في الجامعات العربية، ويعزى ذلك إلى أن معظم جامعاتنا ومعاهدنا تعتمد في إعداد هيئاتها التعليمية على خريجي الجامعات الأجنبية، ممن تبعثهم الدولة أو الجامعات، أو الذين استطاعوا أو يستطيعون ذلك بوسائله الخاصة، وهؤلاء بحكم القانون الطبيعي في اختيار المسار الأسهل لا يرحِّبون بالتعريب إن لم يعارضوه علنًاº لأن التدريس بالعربية سيتطلب منهم جهدًا مضاعفًا يتهيَّبونه، فالتدريس بالعربية يفرض عليهم جهدًا إضافيًّا في الإعداد والتفتيش عن المصطلحات أو وضعها، وهم بهذا الجهد ضنينون. ولو أنهم آمنوا أن التدريس بالعربية يعني محافظة الأمة على شخصيتها وتراثها، وأن أفراد الأمة لا يمكن أن يبدعوا إلا من خلال لغتهم، وأن الطالب لا يمكن أن يستوعب المادة استيعابًا دقيقًا إلا بذلك، لهان عندهم أي جهد يمكن أن يقدموه من أجل التعريب.

كما أن احتجاج الرافضين لتعريب العلوم بعدم توافر الكتب العربية في هذا المجال، وكذلك الدوريات مردود عليه من خلال الجهود التي بذلت خلال السنوات الماضية في هذا المجال، ومنها تعريب مجلة العلوم الأمريكية الشهيرة، الذي تقوم به مؤسسة الكويت للتقدم العلمي. وبذل مجمع اللغة العربية في القاهرة، ونظيره في دمشق جهودًا مضنية خلال العقود الثلاثة الأخيرة لتعريب المصطلحات العلمية من خلال لجان علمية جمعت علميين ولغويين، وأصدر مجمع اللغة العربية مجموعة من المعاجم العلمية العربية، لعل أبرزها معجم البيولوجيا في علوم الأحياء والزراعة الذي استغرق إعداده ثماني سنوات من 1976م إلى 1984م، وشارك فيه نخبة من كبار العلماء العرب، من أبرزهم \”دكتور حامد جوهر\”، ودكتور \”عبد الحليم منتصر\”، ودكتور \”محمد رشاد الطوبي\”. كما أصدر المجمع أيضًا على سبيل المثال معجم الفيزيقا الحديثة، في جزءين عام 1986م، وكان المجمع قد أصدر عام 1976م معجم الفيزيقا النووية. ويعود الفضل لإخراجه للدكتور \”مصطفى نظيف\”.

أما الادعاء بأن تدريس العلوم باللغة العربية يعوق الالتحام المستمر بالطب الأجنبي (أنجلو، أمريكي، ألماني أو فرنسي) بل ويعرقل النبوغ على المستوى العالميº لأنه سيضعف قدرات وفكر مبعوثينا ويقلل من استفادتهم لوجود الحاجز الفكري واللغوي، خاصة أن الأطباء عليهم قبل العمل في الخارج

اجتياز امتحان معادلة صعب ودقيق باللغة الإنجليزية، لكن هذا الادعاء أمر تكذبه الشخصيات العلمية البارزة من أبناء الأمة العربية التي كانت دراستها الجامعية بالعربية وتفوقت في الدول الأوروبية التي هاجرت إليها، من أمثال الأستاذ الدكتور عبد القادر مارتيني الذي تخرج من جامعة دمشق التي تدرس الطب باللغة العربية وهو الآن أكبر جراح في جراحة اليد (الجراحة العصبية) في ألمانيا كلها، وأعطي وسام التقدير من الدرجة الأولى من ألمانيا، والدكتور الفندي محمود أخصائي الجراحة القلبية الذي درس الطب في دمشق باللغة العربية وأتى إلى ألمانيا وهو من أكبر جراحي القلب الموجودين الآن، والدكتور سمير صوالحة (رئيس مستشفى ورئيس قسم النسائية) في جنوب ألمانيا، وهو من أصل فلسطيني، وعنده إنجازات في التنظير للعمليات الجراحية لاستئصال الرحم، هو الذي وضعها بنفسه، ويدرس بها الأطباء الألمان، والأستاذ الدكتور عامر حسين من بريطانيا، الذي يدرس في معاهد بريطانيا الPsychiatry علم النفس وهو متخصص في الأطفال المشوهين.

وينبغي الحذر الشديد من مقولات مثل: (التثاقف) و(الانفتاح على الآخر)، و(التواصل) والتي تستعمل مقابل مقولات أخرى، مثل: (الانغلاق)، و(الأحادية)، و(التزمت)º كل ذلك لتسويغ حضور اللغة الأجنبية في التعليم العام بقوة منذ المراحل الأولى للعملية التربوية بما ينافس، بل يضعف الحضور التربوي والتعليمي للغة العربية. وهذا استعمار فكري أخطر من الاستعمار السياسي. أما التثاقف، أو مبادلة الثقافةº فهي خرافة يريد بها مروِّجوها أن يصدروا لغتهم وثقافتهم من جانب واحد إلى البلدان التي فقدوا احتلالها العسكري المباشر…. إن شعار التثاقف والانفتاح وما قاربهما أو ضادهما مصطلحات ظاهرها جميل، وباطنها من قِبَلها العذابº فهي ضرب من القول يزعم أنه يصلح، ولكنه يفسدº لأن أهله هم بطانة من غيرنا، لا يألُوننا خبالاً، تود تسمية الأشياء بغير أسمائهاº لحاجات في نفسها، تبدت لأولي النٌّهى سماتُها، لكن يا ليت قومي يعلمون! ولا يقولون تالله إنك لفي ضلالك القديم! وإني أجد ريحها لولا أن تفنِّدون! وعن بينة عُمِّيَت على مريض القلب ومن كان على سمعه وبصره غشاوة. وإنه لا بد من تجديد الإيمان بأن لسان العربية اختاره الله – جل وعلا – لمصطفاه وخاتم رسله، فأنزل القرآن عربياً غير ذي عوج، وغيره يناله العوج، ويعتريه النقص والعطب.

إن من أكبر المغالطات أن يفسر بعضهم الضعف الحاصل في تعليم العلوم بأنه راجع إلى اعتماد اللغة العربيةº هكذا جزافاً، ولكن في غياب دراسات مقارنة علمية ودقيقةº يبقى الحكم غير مسوغ ومن ثم غير مقبول علمياً. فأزمة اللغة العربية اليوم واقعة تحت برامج خبيثة لاغتيالها، ضمن مشروع استعماري تدميري كلي لهوية الأمة، في إطار الاستعمار العولمي الجديد للعالم.

عقبات لا يمكن تجاهلها:

فدول الاختراع والاكتشاف والابتكار ليست هي الدول العربية، وإنما هي الدول الأجنبية، وهؤلاء الذين يخترعون ويكتشفون ويبتكرون يكتبون ذلك كله بلغاتهم، حتى قُدِّرت المصطلحات التي تولد بنحو 50 مصطلحاً علمياً كل يوم، وهذا يتطلب حركة سريعة لمجامع اللغة العربية، حتى نستطيع أن نستوعب بسرعة ما تقذف به المطابع، ففي الهند مثلاً أو في الصين هناك ترجمة يومية لكل ما يصدر من كتب في العلوم على مستوى العالم، وكانت مشكلة حقوق الطبع من المشكلات التي أثيرت بين الولايات المتحدة والصين، واعتبرت من القضايا السياسية في قضية حفظ الحقوق وغيرها على اعتبار أن الكتاب كان يصدر صباحاً في نيويورك وفي ثاني يوم أو ثالث يوم على صدوره يكون مطبوعاً باللغة الصينية بشكل كان يذهل الآخرين

كما أن هناك اتحاد مجامع لغوية على مستوى الوطن العربي، ورغم هذا لم نسمع بنهضة عامة تضبط الترجمة والتعريب في العلوم المختلفة لتجعلها موحدة على مستوى الدول العربيةº فكل دولة تعرب بأسلوب معين وبمدرسة معينة وبمنهجية معينة في التعريب، ولذلك ظهرت مشكلة التعددية المصطلحية، السوري يترجم المصطلح الأجنبي بترجمة معينة عربية، والمصري يترجم بترجمة أخرى، والتونسي يترجم بترجمة ثالثةº مما يوقع المستخدم في حيرة واضطراب، فعلى سبيل المثال تتكلم بعض المجامع اللغوية عن الهيموجلوبين والبنكرياس والبروستاتا، وفي مجامع أخرى يسمى الخضاب (الهيموجلوبين) والمعثكلة (البنكرياس) والموثة (البروستاتا)، وعلى العكس في الدول الأجنبية ففي فرنسا مثلا هناك المجمع العلمي الفرنسي الذي يوحد المصطلح، بحيث أن كل شخص يدرس اللغة الفرنسية في أي مكان من العالم لا يمكن أن يجد تعدد في المصطلح في الوقت الذي في العالم العربي يمكن أن يجد في كل دولة تعريب أو مصطلح يخص مترجم هذه الدولة.

إن اللغة العربية هي هويتنا ووجودنا، وهي على خطر، ويجب أن تعود لوضعها الطبيعي في استيعاب العلوم على كثرتها وتنوعها، وكيف لا وهي لغة البيان والقرآن، هذا إن أردنا نهضة حقيقية بعيدة عن الشعارات والمهاترات.

منى السعيد الشريف

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *