تعريب العلوم

تعريب العلوم – القضية

تعريب العلوم- القضيَّة، سلسلة مقالات: زهور من بستان التعريب، من مجلة اللسان العربى، عدد 43، سنة 1997، ص 205 – 226/، مكتب تنسيق التعريب-الرباط، الأستاذ/ أحمد شفيق الخطيب*

سيادة الرئيس.

أيها الزملاء الكرام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مدار مؤتمرنا لهذا العام يحتمل محورين

تعريب العلوم – القضية: تعريب العلوم – الوسيلة

وكان يُفترضُ أن أختار ثانيهُما كون لي خبرةٌ عمليَّةٌ، تعليميَّة ومهنية في هذا المحور على مدى العُقود الأربعة الماضية. لكنَّ الجدَل الذي أُثير مؤخراً حول تعليم العلوم والرياضيَّات بلغةٍ أجنبيَّة في المرحلة الابتدائية، في الأوساط التربوية والإعلاميَّة في مَوطِن مُقامي الطيِّب، لبنان، حفزني إلى المشاركة في ذلك الجدل رداً على رأي مؤيِّدٍ لِمُحَرِّر معروف في إحدى الصحف اللبنانية البارزة(1) ، وبالتالي حداني على اختيار المحور الأول مَداراً لحديثي اليوم في مؤتمرنا هذا. فقضيَّة تعريب العلوم التي نتحاور بصددها في مراحل التعليم العالي لمَّا تُحسَمْ بعدُ في مراحل التعليم الدُّنيا على نطق تضيقُ أو تتّسِع في كثير من أرجاء الوطن العربيّ.

أيها العلماءُ الأجلاّء

موضوع تعريب العلوم- وبالتالي تعريب العلوم في مختلف مراحل الدراسة الابتدائية والثانوية والعالية- عُولج بمِحوَرَيه، قضية ووسيلة، في العديد من الندوات والمؤتمرات التي كان لي، كما كان للكثيرين منكم، شَرَفُ وواجبُ حضورها في الرباط وتونس والقاهرة وعمّان، والمشاركة بمداولاتها. وهكذا فانَّ الحديث في هذا الموضوع بكلا محوريه لا بُدَّ أن يأتي في الكثير منه، أو في بعضه على الأقل، على إعادةٍ لما سلَف أن قُلْناه آخرون في مؤتمراتٍ وندواتٍ تاليةٍ لاحقاً.

لكنّ هذا الموضوع هو من الأهمية بمكان، حتى إنَّ مَلَلَ الإعادة منه لا ينبغي أن يمنعَنا من تكرار الحديث فيه -أو لعلّه كما يقولون:

ما كُلُّ مُعادٍ مُمِلّ ولا كلُّ مُعيد مخِل

يقولُ ابن جِنِّي ” إنّ اللغةَ أصواتٌ يُعبِّرُ بها كُلُّ قوم عن أغراضهم”. هذا القول صحيح، لكنَّه بحاجة إلى توسيع. فليست اللغةُّ أداةً للتعبير فقط، ولا هي وسيلةُ الفِكر ووِعاءه فحسب خاصة إنها بعضُ الفِكر وأداتُه، بل لَعلَّها كما يقولُ بعضُهم هي الفِكرُ بذاته.

وإذا كانت مَقولةُ هِربارْت (2) وأتباعِه من فلاسفة التربية وعلم النفس التربوي في أنَّ المعلومات التي يكتسبُها الإنسانُ، في سنواته الأولى الأربع بخاصّة، تؤلّف كتلةَ الاستيعاب التي تكون قد تنشَّأتْ قِبْل دُخوله المدرسة، وأنّ تعلُّم مَعلومةٍ لاحقاً لا بُدّ أن تتمثَّله كُتلةُ الاستيعاب تلك، تفَهُّماً وقَبولاً، فتتنامى بها؛ إذا كانت هذه المَقولةُ صحيحة، وأنا أشارك القائلين بذلك، فإنّ مَقولةَ ” إن اللغةَ هي الفِكرُ وأداتُه ” صحيحة أيضاً.

وهذا يُفسِّر كونَ أن يتعلِّمَ الإنسانُ الأساسيّات العلمية والرياضيةَ وسواها بلُغته الأمّ أمراً بديهيّاً عند جميع الناس في كُلِّ أنحاء العالم- إلا للأسف، عندنا في مختلِف أرجاء العالم العربيّ.

الدكتور اسحق الفرحان عضو مجمع اللغة العربية الأردني يروي أنه كان بصُحبة وزير التربية الأردني يحضُران حفلةً للسفارة الكُورية في عمّان، فسأل وزير التربية السفيرَ الكوريّ: بأيِّ لُغةٍ تُدَرِّسون الطِّبَّ والهندسة والعلومَ في بِلادِكم؟ فلَم يُجِبْه السفير. ولمّا كرَّرتُ أنا السؤالَ، يقول الدكتور، نظرَ إليَّ السفيرُ: « وهَلْ سؤالٌ يُسألُ! بالكوريَّة، طبعاً « .

السفير الكوري رُبَما كان جافيَ الردِّ، ولكنّه كان مُحِقّاً في اعتبار أنّه من السُّخْفِ أن يُعَلِّمَ الناسُ موادَّ العلوم أو يتعلَّمونها في بلادهم بغير لُغَتِهم القومية.

هذا في بلاد الناس، أمّا في بلادنا فموضوعُ تعليم العلوم بغير العربيّة لا يزالُ مجالَ أخذٍ وردّ،ِ ونِقاشاً يصِلُ أحياناً إلى حَدِّ المُشاقَّة- حتى لنَرى أنه كُلَّما قاربتْ حركاتُ التعريب النجاح أو كادت، سرعان ما تنشط حركات التغريب في الانقضاضِ عليها وعرقَلتِها أو حتى إجهاضِها. والأمثلة على ذلك في مشرقِ العالم العربي ومَغربه، غيرُ خافيةٍ عن إطلاع حضراتكم. فلكأنَّ ذلك يُذكِّرنا بالحروب المُعلَنة وغير المُعلنة التي كانت تُشَنُّ على اللغةِ العربيَّةِ من قِبَل سِياسات التجهيل والاستعمار والانتداب.

لقد كان المُنتَدِبون والمٌستَعمِرون يرَون في اللغة العربيَّة، لُغةِ الدين والتُّراث والتاريخ المُشتَرَك، عامِلَ توحيدٍ في الوطن العربيّ يَقُضُّ مضاجِعَهُم، فبذلوا ما في وُسْعِهم لمُحاربةِ هذا العُنصر بِشَتَّى الطُّرق- مُستغِلِّين خِلافاتنا الجاهليَّةَ وانتماءاتِنا القبليَّة والعرقيَّة والطائفيَّة، والمَذهبيَّة، ونحن مسوقون ندري ولا ندري.

ولا نُنكِرُ أنَّهم حقّقوا الكثيرَ مِن مُبتغَاهم حين أفتَوا، ونفّذوا فَتواهم كَرهاً، بعدم صلاحية اللغة العربيّة لأن تكون لُغةَ العلم والحضاريات التقانية المعاصرة؛ وقرنوا هذه، مع المكانة الاجتماعية وإمكانيات الرفاه باللغة الأجنبيّة. واستطاعوا بفعل الإشراط النفساني وطولِ المُمارسة أن يؤصِّلوا فينا مُركَّبَ النَّقْص لِتقَبُّل هذا الواقع الشاذّ كأمرٍ طبيعيِّ، بقُوَّةٍ الاستمرار.

وَهم طبعاُ نفَّذوا إلاّ ما أملَتْهُ مبادئ السِّياسات المتعارفة في اخضاع الشعوب عن طريقِ قَهرهم وإذلالِهِم بإذلال تُراثِهم وتقاليدهم وإضعاف لُغاتِهم القَوميَّةِ وحجبها عن دَورِها الطبيعيّ الاجتماعيِّ والحضاريّ.

نحنُ اليومَ، حَمْداً للّه، تخَلصنا من الاستعمار، لكنَّ بَلْوانا به باقِيَةٌ- ليسَ فقط بالغَرْس السَّرطاني الوبيل الذي أنشبَه في كياننا قبل رحيله، وغذّاهُ ونَمّاه فيما بعدُ فقط، بَل أيضاً بترسُّبات تلك السياسات المسمومةِ الشّرسَة التي ما فَتِئت فاعلة في ثنايانا كامنة أو ظاهرة عن قصدٍ أو عن غير قصد.

هذا الترسُّباتُ، في يَقيني، هي المسؤولةُ عن حركات الرِّدة التي تعرفون، والتي يُحَقُّ فيها أن تقاوَمَ باليَدِ واللسان والقَلْب.

حُجَجُ المُرتدِّين عن التعريب، كما هي حُجَجُ معارِضيه، تتلَخص دوما في ناحيتين:

أُولاهُما أنَّ اللغة العربيَّة تُقَيدُ التطوُّرَ العلمي والحضاري وتِقفُ حجرَ عَثرةٍ في سبيلهما،

وثانيتُهما أن إتقانَ لُغةٍ أجنبيَّةٍ، هو في عالمنا المعاصر، ضروريِّ لإبقاء التواصُل الحضاري مع العالَم حولَنا بتِقنيَّاتِه وإنجازاته. وهذه الناحيةُ لا خلاف واقعيَّا فيها، إنَّما هي في حقيقة الأمر قضيَّةُ حقِّ أُريدَ بها باطِل.وسأعودُ إلى هذه الناحية لاحقاً في حديثي ، لأتناولَ الناحيةَ الأولى قبلاً.

عُلماءُ اللغات مُتَّفقون على أن اللغة، أيَّ لِغةٍ، بوَصفِها مؤسّسة بَشَريَّة لِخدمةِ الفِكر، لا يُمكن أن تكون عاجزةً عن ذلك- إذا كان هذا الفِكرُ ناشطاً ومُبدِعاً. والبراهينُ على مقولتِهم هذه بَيِّنةٌ بارزة حوالَيْنا كما في أقاصي المعمورة وأواسِطها.

وإذاكان هذا يَصِحُّ في أيِّ لُغَةٍ فإنّه بالأحرى يَصحُّ في لُغةِ الأدب والتُّراثِ الخالِدَيْن- في اللغة العربية، المتميِّزة بين اللغات بخصائصها الذاتية وقابِلِيَّتها المَرِنة للنُّمُوِّ والتطوُّر، الفذّةِ بلاغةً وفصاحةً وقُدرةً على التعبير – مِمّا أهَّلها لإرتقاء قِمَّةِ البيان الإنساني في القُرآن الكريم. كما أهَّلها بجدارةٍ لِتكون لُغَةِ العِلم والحضارة الإنسانية في العصور الوُسطى. فبُواسطتها تعرّف العالمُ الغربيّ، عن طريق نقَلتِها إلى اللاتينيَّة، علومَ الفلسفةِ والطِّبِّ والفلك والرِّياضيَّات والكيمياء وغيرها.

اللغُة العربيَّةُ لا ينقُصها خصائصُ اللغةِ العلميَّةِ ولا مُقَوِّماتُها. والذين يتَّهمون العربيَّة بالعَجْز عن مُجاراةِ التطوُّرات الحضاريَّة العلميَّة إنّما يعترفون بعجزِهم هُم، وبعَجزنا نحنُ أو غالبيَّتنا في دُنيا العرب.

أيّامَ صدَقت النِّيَّةُ وشمخَت المَعنويّات عامِرةً بالثقة والإيمان، لم يَجْبُن السّلَفُ أمام تيّارات الحضارة اليونانية والفارسية والهنديّة فأخذوا وأعطوا وعرَّبوا وترجموا وألّفوا وأبدعوا؛ وانطاعت لهم العربيَّةُ فكان لهُم جامعاتُهم في بغداد وفاسَ وقُرطبة والقاهرة ودمشق وتونُسَ.

ويروي المؤرخ الفرنسي « بريفو » في كتابه « تكوين البشرية في القرن التاسع » كيف أن العديد من المَسيحيين أخذوا العِلمَ عن عُلَماء الإسلام، وأنّ الكثير مِمّن بهَرتْهُم الحضارةُ العربيَّةُ والإسلاميَّةُ والعِلمُ العربيُّ أقبلوا على العربيَّة يتعلَّمونها ويستخدمونها في مُكاتباتهم ومُحادثاتهم مُؤثِرين إيّاها على اللاتينيَّة. وقد كتبَ أسقُف قُرطبة شاكياً من ذلك يقول: إن اللغة العربية فَتَنَتْنا بِعُذوبةِ ألفاظها وبلاغة إنشائها حتّى لا نكادَ نجِدُ فِينا من يقرأُ الكتب المُقَدَّسةَ باللاتينيَّة. وشبابُنا الأذكياء جميعاً لا يعرفونَ غيرَ لُغةِ العَرب وآدابِهم- وكُلَّما قرأوا كتُبَها ودرسوا آدابَها ازدادوا إعاجاباً بها، فإذا حَدَّثْتَهُم عن كتابٍ من الكُتب اللاتينيَّة سخِروا منه، وقالوا إنّ الفائدة منه لا تُساوي التعبَ في قراءَته. وهكذا نسِيَ المسيحيُّون لُغتَهم وجَهِلوا كتابتَها وبلاغَتها وحذَقوا اللسانَ العربيَّ حتى لَيَكتبونَه نَثْراً ونظماً بأسلوب أنيقٍ يفوقون فيه العربَ أحياناُ. ويروي الأستاذ بريفو عن رئيس دير كلوني أنه كان يشاهِد أثناءَ إقامته في الأندلس إقبالَ الطلبة من فرنسا وألمانيا وانكلترا على مراكز العلم العربيَّة فيُبدي أسفه لتلك الظاهرة (3).

والأدِلّة على المكانة العلمية للغة العربيَّة حينئذ لا تُعوِزنا- فهناكَ مئاتُ الألفاظ في الفلك والكيمياء والطب والجغرافيا والرياضيات التي أخذَتْها اللغاتُ العلمية عنها، وهناك أيضاً ما حفِظتْه لنا خِزانةُ قُرطُبة ذاتُ الستمائة ألفِ مُجلِّدٍ في مُختلف العلوم والفنون والآداب- من بينها مُؤلّفاتٌ ظلت تُدرّسُ في جامعات أوروبا طَوالَ عِدَّة قرون. وليسَ عن عبَثٍ قولُ المستشرق الفرنسي ماسينون: ” إنّ المنهاجَ العلمي قد انطلق أوّلَ ما انطلق باللغةِ العربيَّة، ومن خلالِ العربية في الحضارة الأوروبيَّة ” (4) .

ثُمّ دارتْ على العرب والعربية الدوائر، فركد العلمُ وخمَد البحثُ العلميُّ في دُنيانا طوالَ عصر الانحطاط المديد فركدتِ اللغةُ العربيةُ وخمَدت.

العجزُ الذي يَعزونه إلى اللغة العربية، إذن ليس في العربيَّة بل في أهلها اليوم، في بيئةِ الجمود والاتكالية الغيبيَّة والكسل العقلي والانهزاميَّة والقصور، التي سادت نتيجة لسياسات القهر والتجهيل طَوالَ عهود الظلمة والانحطاط، قُبيل السيطرة العثمائية وخلالَها، ثُمّ استمرَّت بعدها، بدرجاتٍ وأشكالٍ مُتباينةٍ في مختلف أرجاء الوطن العربيِّ، بفضل المُخطّطات الغربيةِ الخبيثة السّلِسَةِ الاندساس حيناً والشّرسةِ أحياناً. ولم تنجُ حركةُ تعريب العلوم وتعريب التعليم إجمالاً، مُنذُ فواتِحها، من بعض هذه المُخططات.

فمَع بدايات عصر النهضة العربيَّة الحديثة أوائل القرن الماضي انطلقت العربيَّةُ تأخذُ طريقها مُجَدَّداً إلى دنيا العلوم والحضارة الحديثة.وكان طبيعيَّا أن تتخذ مدارسُ محمد علي القاهريةُ منذ تأسيسها عام 1825، في الطبّ والهندسة والزراعة والعسكريّات ، اللغةَ العربيَّةَ وسيلةً لها في تعليم المناهج على كلِّ المستويات- مُدعَّمةً بمدرسة الألسُن ومجهودِ المَبعوثين في مختلِف فروع العلم.

وكذلك كانت الحالُ في الكلية السوريَّة الانجيليَّة (الجامعة الأمريكية في بيروت لاحقاً) أواسطَ القرن الماضي أيضاً، حيث كانت مؤلّفات المٌستشرقين الأمريكان، من أمثال كرنيلوس فانْدَيك ويُوحنا وُرتبات وجورج بوسْت، بمُعاونة أساتذتهم العرب من أمثال بُطرس البستاني واليازجيَّين ناصيف وابراهيم ويوسفِ الأسبر وأحمد فارس الشدياق، تغطِّي برامجَ الدِّراسةِ في عُلوم الطبِّ والفيزياء ( الفلسلة الطبيعيَّة حينئذ) والكيمياء والصيدلةِ والرياضيات والفلك وسواها بلغة عربيَّة سليمة ومستوى علميِّ جيِّد (5).ولم يكنْ يَخْطِرُ ببال روّاد النهضة الحديثة، عَرباً أو أجانبَ من المخلصين، التدريسُ بغير العربيَّة- تطبيقاُ لِمنطقٍ علميِّ براغماتيِّ ما زال هو المنطقَ العملي الصحيحَ اليومَ كما غداً.

ورافق ذاكَ الانتعاشَ للُّغةِ العربيَّة إصداراتٌ جديدةٌ للمعاجم العربيَّة التُّراثِيَّة الشهيرة كمُختار الصحاح (1870) والقاموس المُحيط (1872)، الذي كان جُدّد على يد المُعلِّم بُطرس البستاني ونُشِرَ مُطوَّلاً ومُختَصراً (1870)، ولسانِ العرب وأساس البلاغة (1882) وتاج العروس (1889) وغيرها.

وقد كان يُرجَى لِلُّغة العربيَّة في هذا العهد أن تبلُغَ أعلى درجات الرُّقيِّ لو أتيحَ لها أن تكون وتستمِرَّ لسانَ حالِ النّهضةِ العلميَّة العصريَّة. لكِنَّ سياساتِ الغَرب الاستعماريةَ ما كانت تخَطِّط لمثل هذا الانتعاش في مسيرة اللغة العربيَّة- وقد أخذت تستوعبُ أسبابَ الحضارة ومُتطلَّباتِها العلمية بنجاح في القاهرة وبيروت. فما أن ثبَّتَ الاجتياحُ البريطاني أقدامَه في مِصرَ حتى عَرقلَ هذه المَسيرة- أوّلاً بتحويل التدريس في مدرسة الطبّ إلى اللغة الإنكليزية عام 1887 ( بعد سبعةِ عُقود من الإنجازات ليس أقلَّها مصطلحيّاً قاموس الشذور الذهبيَّة الذي ترجَم قاموسَ القواميس الطبيَّة الفرنسي لفابِر- الشاملَ في مجلداته الثمانية كامِلَ مصطلحات العلوم الطبية المعروفة حينئذٍ، ولا أقلَّها طِبِّيّاً اكتشاف أحد مدَرسيها (6) جُرثومة البلهارسيا). ثم أكملَ البريطانيون إجهاضَ المسيرة تلكَ ثانياً، بقرارٍ عامَ 1889 بأن تكون لُغةُ التعليم في مختلف المعاهدِ المصرية اللغةَ الإنكليزية. فأُغلِقتْ مدرسَةُ الألسُنِ، ونُفِي رفاعة الطهطاوي ومؤيِّدوه إلى السُّودان، ووُجِّهت البَعَثاتُ إلى إنكلترا ( بدل فرنسا وإيطاليا).

وما هو إلاّ عامٌ أو بضعُهُ، حتى حذا الأمريكيون في الكلية السورية الانجيلية حَذْوَ البريطانيين، فتحَوَّلَ التدريسُ فيها، للأسف، من العربية إلى الانكليزية بدءاً من العام 1890 ( بعد حوالي رُبع قَرن من تدريس الطب والصيدلة والعلوم الطبيعيَّة الأخرى فيها باللغةِ العربية بمُستوى راقٍ مَرموق).

وهكذا حُرمتْ اللغةُ العربيَّة من فُرصَتها الذهبيَّة وغُرِستْ بذورُ الشّكّ والرِّيبةِ في نفوس أبناء العربيَّة بلُغَتِهم- بأهَمِّ مُقوِّماتِ أصالتهم وحضارتهم. وفي يقين الكثيرين، ويَقيني، أنه لو استمرّتْ جُهودُ معاهد العلوم الطبيَّة في الكلية السورية الانجيليَّة بمختلف فُروعها، مُعزَّزةً بجُهودِ المَيامين من رجال المعهد الطبي في دمشق الذين حوّلوا، بنجاح مَشهود، لغَة التدريس في ذلك المَعهد من التركيّة إلى العربيّة عام 1919، أقول لو تم لهذه الجهود أن تتضافر لكان حال العربية اليوم غير ما هو عليه اليوم، ولكُنّا تجاوَزنا منذ أجيالٍ تلك الحلقةَ المُفرَغةَ التي ما زِلنا فيها نُحُومُ ونَدُور.

خِيار تعليم العلوم بلُغَةٍ أجنبيَّة ما كانَ خِيرَةً عربيَّة، لا في مَشرق العالم العربيِّ ولا في مَغِربه. بل إنّ رافضي هذا الخِيار، ما فتئوا يُعارضونه منذُ تنفيذه. وانتفاضةُ الدكتور كرنيليوس فانديك، أحدِ أركان مدرسة الطبِّ في الكلية السورية الإنجيلية، بالاستقالة، ومُتابعَتُه تدريسَ فريق الطلاب الذي انسحب معَه إثْرَ تطبيق قرار التحوُّل، أبلغُ دليل على ذلك حتّى لدى المُخلصين من الأجانب.

كذلك نَذْكُر حملة فريق من طُلاب الكليّةِ إياها ومُتخرجيها الغيورين عام 1920 بهدف إرجاع لغةِ التدريس في الكلية ( الجامعة الأمريكية في بيروت حينئذ) إلى العربية، وتأييد العديد من الصحف وقادة الرأي البارزين في المشرق العربي لتلك الحملة(7). فإثْرَ نَشوة الحماس العاطفيِّ والثقافي والقومي التي واكبتْ تحويلَ لغةِ التدريس من التركية إلى العربية في المعهد الطبي بدمشق إثر انهيار الحُكم العثماني، قامت حمَلةُ الطلاب ومُؤيديهم لِتَسْتَمِرَّ قُرابَةَ ثلاثِ سنوات مُرَدِّدةً مطلب التعريب، مُعتبرين أن الكليةَ ( الجامعة) اغتصبتْ حقوقَ الشعوب العربيَّة بإحلال اللغةِ الانكليزية محَلّ العربيّة كلُغةِ تدريس، مِمّا أدّى إلى تخلُّف اللغة العربية، فقلَّت فيها المؤلّفات في الطب والصيدلة والعلوم الطبيعيَّة بعد أن زهَتْ في العَقْد الثامن من القرن الماضي.

وقد شغَل موضوعُ التعريب في تلك الحِقْبِة الكثيرَ من صفحات المجالاّت المعروفة كالهلال والمقتَطف والمَشْرق والنشرة الأسبوعية ومَجلة الكلية وغيرها. وأُدرِجُ فيما يلي مُوجَزَ مقالٍ لكاتبٍ معروف في إحدى هذه المجَلات حول موضوع ” تدريس العلوم بالعربية” يُبيَّنُ أهدافَ حملةِ التعريب تلك ومُبرِّراتِها. يقول الكاتب:

  1. إن في العَود إلى التعليم باللغة العربيَّة وهي لُغَةُ البلاد عودٌ إلى الخُطة الطبيعيَّة والقاعدة العامة.
  2. هذا العودُ ضرورةٌ يدعو إليها التطوُّرُ القوميُّ والسياسي الذي بلَغتْهُ هذه البلاد، وتقتضيه النهضةُ الأدبيةُ والعلميةُ العامة في مِصر وسُوريا والعراق.
  3. إنه واجبٌ وَطنيِّ أيضاً، لأن تعميمَ التعليم باللغة العربيَّة يُمكِّنُ روابط القوميةِ بين أبنائها.
  4. في العودةِ إلى التعليم باللغة العربية ثراء تزدادُ به اللغةُ العربيَّة غنىّ ونمُوَّا.
  5. التعريبُ يُسَهِّلُ تناوُل العِلم، ويُوَسِّعُ مجال التعليم والتأليف أمامَ أبناءِ هذه البلاد، فيستفيد التليمذُ والأستاذ والمؤلِّفُ والطابعُ والناشِر.
  6. إنَّ العَقبات التي كان يُقالُ باعتِراضها سبيلَ التعليم باللغة العربية ممكنٌ التغلُّبُ عليها؛ فقد تيسَّرَ ذلك للأتراك مع أنَّ لُغتَهُمْ أحدثُ عَهداً بالعلوم من اللغة العربيَّة ودُونَها في غَزارة المادة (8).

وردَّا على هذه الحَمَلات ألقى الدكتور وِلْيم فانديك من أساتذة الجامعة، مُؤيَّداً من عُمدَتِها، خطاباً في مُنتدَى الكلية قال فيه: ” إنّ تغييرَ لُغة التدريس إلى اللغة العربية صَعبٌ؛ ولكنَّه مُمكِن”. وقد عدَّد الدكتور فانْدَيك في خطابه الأضرارَ التي يجلبُها على الطلبةِ التعليمُ بالانكليزية، فكان منها “إنّك قَلَّما تجدُ طالباً في الجامعة يتكلَّم العربيَّة دُونَ أن يَمزُج معظَمَ كلامِه بالألفاظ الانكيليزيَّة”.ثم أتى حضرتُه على ذِكر الصعوبات التي ارتأى أنَّه يَنْبغي التغلُّبُ عليها قبلَ تحقيق تغيير التدريس إلى العربيَّة، فكان أهمُّها التالية:

  1. صعوبةَ ترجمة الألفاظ والمصطلحات العلمية إلى اللغة العربية.
  2. قِلّةَ الكتُب والمؤلّفات في اللغة العربيَّة بحيثُ يتعذَّر على الطالب المُطالعةُ والتوسُّعُ والوُقوفُ على الاختيارات الحديثة.
  3. صعوبة اللغة العربيَّة على الأمريكيِّين وعدمَ إمكانِهم إتقانها بوقتٍ قصير، وقِلَّة وجود الوطنيين الأكفاء ليقوموا بأعباء وظائفهم.

هذا يا سادتي موقفُ جامعةٍ اللغةُ القوميَّةُ لِعُمدتها وغالبيَّة أساتذتها هي اللغةُ الأجنبيَّة، تعريبُ العلوم وتعريبُ تعليم العلوم ضروري ومُمكِن في أعلى مُستَوياته. والصعوباتُ التي يُحدِّدها الناطقُ بلسان تلك الجامعة ما عادَ مُعظمُها يؤلِّفُ عائقاً بالقَدْرِ الذي كان يَصِحُّ فيه، في حينه قبلَ سبعين عاماً.

فماذا يا تُرى يقول ، في تحدِّي هذه الصعوبات، عُمداءُ وعُمَدُ جامعاتنا السبعين اليومَ، ومعظمُها يُدرِّسُ موادّ العلوم المختلفة، وحتى موادَّ العلوم الإنسانيَّةِ في بعضها، بغير العربيَّة؟ في حين تنُصُّ دساتيرُ معَظم هذه الجامعات على أنَّ لُغةَ التدريس هي العربيَّة الاّ في حالاتٍ مَعَيَّنةٍ استِثْناءً؛ وفي حين تؤكِّدُ كلُّ مؤتمراتِ خُبَراءِ التعليم والمجَامِع ومؤتمراتِ الوُزراء المسؤولين عن التعليم العالي والبحث العلمي في الوطن العربي ضرورةَ الخروج من الحلقةِ المُفْرَغة والبدءِ بتنفيذِ التعريب في مختلِف ميادين العلوم وعلى كُلِّ المٌستَويات.

اللغةُ العربية باعتراف العالم أجمَعَ، هي اللغةُ الرسمية الدوليةُ السادِسة- إنْ كانَ في مَجلس الأمن أو في المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم أو في هيئةِ الأمم المتحدة ومختلِف وَكالاتها. لكنَها للأسف في وطنِها- في غالبيَّةِ معاهد التعليم العالي بخاصةٍ، في أقطارِنا العربيَّة، هي اللغةُ الرسميَّةُ اسماً الدُّونُ فِعْلاً، في أهَمِّ مَجالٍ حياتيِّ حضاريِّ لدينا.

كيف لا والطالبُ عندنا يرى الموادَّ الرئيسيَّة في مُختلف العلوم وفروع الرياضيات تُدَرَّسُ باللغة الأجنبيَّة، وأنّه يتقدَّمُ للامتحانات الحاسِمة في مَصيره باللغة الأجنبيَّة. الواقِع أن هذا الموقفَ لا يَقتصِرُ على الطالب وحده فهو إلى حد تأصَّل في لا وَعْي الأهل- ولا نُبَرِّئ أنفُسَنا- وأحياناً حتى في لا وعي الأساتذة وإدارات التعليم في الكثير من القِطاعات.

أليسَ مُؤسفاً ومُذِلاًّ أن الأكثَرَ من عِشرينَ بلداً من بلاد العرب، مُفْرَدةً ومُجتَمعةً، تتعاجزُ عن تجاوُزِ صعوبات مُوهومةٍ في مُعظمها- في حين نجحَ في تجاوُزها قُرابةُ المئتي بلدٍ في عالمنا اليوم- عددُ سُكَانِ الكثيرٍ منها لا يتجاوزُ بضعة ملايين؟.

يقولون إن التعليمَ باللغة العربية سيكون على حساب الِعلم والمستوى العلمي- والبعضُ يُصَدِّقونهم.

قالوا هكذا عن تعليم العلوم باللغة العربية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية. ثُمّ تعريبُ هذه الموادِّ في مختلِف هذه المَراحل في غالبيَّةِ أقطار الوطن العربي، ولم ينخفضْ مُستوى تعليم العلوم بسبب ذلك، لا في مصر وسوريا والعراق ولا في تونُسَ والجزائر. الثابت أنه في محاولة تعريب العلوم في الجامعات الأردنية التي رعاها مجمعُ اللغة العربية الأردني، أظهرت امتحاناتُ الطلبةِ أن نسبةَ الرَُسوب، بين طلبةِ السنة الجامعية الأولى، الذين درسوا كتابَ علم الأحياء ( البيولوجية) بالانكليزية، انخفضتْ من 26% إلى 4 % بين طلبة السنة الجامعيّةِ الأولى التاليةِ الذين دَرسُوا الكتابَ نفسه- مُغَطِّين مادةً أوسعَ وبِصُورةٍ أعمقَ وأدقّ. وأن تحصيلَ الطلبة العِمليُّ في مادة الكهرومغناطسييَّة ارتفَع بين دراسي المادة بالعربية إلى87%، بينما لم يكْن يتجاوزُ50% عندما كانت تُدَرّسُ باللغة الانكليزية (9) .

وأذكُرُ أنه في حركةِ تعريب العلوم في المرحلة الاعدادية التي طبَّقتها مدارسُ جمعيةِ المقاصد الإسلامية في لُبنان أثبتتْ الاختباراتُ انّ الطلابَ الذين تحَوّلوا إلى الانكليزية في المرحلة الثانوية كانوا أكثر إلماماً بِشَكلٍ مَلحوظ بالمفاهيم العلمية والرياضيّةِ من سِواهم(10) ، كما إن مٌشكِلةَ التعبير باللغةِ الأجنبيةِ ومُتابَعةِ الدروس بتلك المواد فيها، في إيامهم الأولى، لم تؤثِّرْ على مُستوى أولئك الطلبةِ واستيعابهم. حتى إنّ الادارة لحظَتْ أنّ الأسبوعَ الذي خُصِّصَ لِتمهيدِ ذلك بِدراسةِ نُصوص في اللغةِ الأجنبيَّة من العلوم والرِّياضيَّات لم تكُنْ الحاجةُ لَهُ مُلِحَّة (11)

وقالوا إن تدريس العلوم والرياضيات في المرحلة الثانوية باللغة العربية يعيق الدارس لاحقاً عن متابعة الدراسة بلغة أجنبية.

وقد ثبت بُطلان ذلك منذ بضعة عُقود في دراسةِ حول خلفيَّةِ الطلاب المتميِّزين في السنتين الأُولَيَيْن في الجامعة الأمريكية على مدى نِصف قَرن، فقد كشفَتِ الدراسةُ تفَوُّقاً عاماًّ مَلحوظاً للطلاب من بلدٍ عربيِّ ما كانتْ مدارِسُه الثانويةُ في غالبيتها تعتمِدُ اللغةَ الانكليزيةَ كلُغةِ التدريس في مواد العلوم والرياضيات. واللافتُ أن مستوى أولئك الطلبة في اللغة الانكليزية كان أفضلَ عموماً من مستوى القادِمين من مدارسَ تعتمِدُ الانكليزية أو الفرنسيَّة في تدريس تلك الموادّ(12).

كذلك ثبتَ بطلان هذه المَقولة في انجازات الأطباء السُّوريين الذين يُتابعون دراستِهم في الخارج، وفي المؤتمراتِ التي يعقِدُها هؤلاءِ الأطباء ( المُقيمون منهم والمُغتَربون) في دمشق دورياًّ كلَّ عام.

إنَّ الدراسة العلمية باللغة القومية، ما كانَتْ أبداً عقبةً أمامَ مُتابعةِ التخصُّص الجامعي- وإلاّ كيفَ نُفَسِّرُ إنجازات الطُّلاَّب الألمان أو الطليان أو الصِّينيين أو المَجريين أو سِواهم مِمَّن يُتابعون دراساتِهم قي أمريكا أو فرنسا أو بريطانيا!؛ حتّى الذين يجهلونَ اللغةَ- لغة التخصص، فإنَّ إعدادَهم لذلك لا يَستَغْرقُ عادةً أكثر من سَنة.

ويَقولون في معارضة تعريب العلوم إنَّ تدريسَ العلوم بلُغَةٍ أجنبيَّةٍ ضروري لرَفْع مُستَوى أولئكُم الطلبة (13) فيها.ويحتَجُّون بأن التعرِيبَ يَحْرِمُ الطالبَ من التواصُل المٌستمِرِّ مع مصادر تخصُّصه. وهذا مَردود. فالتعريبُ لا يعني بِحالٍ من الأحوال إهمالَ اللغةِ الأجنبيَّة؛ بل على العكس، التعريبُ، وبخاصة تعريب العلوم، يفترض استمرارية التواصل باللغات الأجنبية على الطلاب، كما على الأساتذة. فمَهما قُلْنا في ثَراءِ العربيَّةِ وطاقاتِها وامكاناتها الهائلة، فلا أحَدٌ يَجْهَلُ أو يُغْفِلُ البَونَ الشاسِعَ بين ما وصلتْ إليه علومُ الحضارة وتِقاناتُها وما حقَّقنا نحنُ أو عرَّبناهُ حتى اليوم من هذه العلوم. إنّ تعزيزَ اللغات الأجنبيَّةِ في مَراحل التعليم المختلفة، الثانويةِ والعالية، وإتقانَ العالِم العربيّ لُغَةً أجنبيَّةً واحدةً، على الأقلِّ، من اللغاتِ العالميّة، بمستوى رَفيع ضرورةٌ يَقتضيها ويَفْرضُها تعريبُ العلوم. إن اتقانَ العالِم لُغةً عالميَّةً أخرى إلى جانب لُغَته، حتّى في بُلدان العالم المُتطِّورة، يكادُ يكونُ هو القاعدةَ. فلا أعتقدُ أنّك تَجِدُ عالِماً فرنسيّاً أو ألمانيّاً أو روسيًّا أو يابانيًّا في الفيزياء مثلاً، يجهلُ الانكليزية. إنّ كُلُّ عالم من هؤلاءِ يدرُسُ اختصاصَه بلُغَتِه، لكنَّ اللغةَ الأجنبيَّة هي سبيلُه إلى التواصل مع نظائره من العُلماءِ، وإلى مُتابعةِ دَوريَات العِلم في البُلدان المُتطوِّرة في مجال إختصاصه.

وخَيْراً فعلَتْ اللجنةُ العليا للتعريب في جامعة الخرطوم، حسبما أخبرنا رئيسُها الدكتور عبد العزيز ابراهيم، حين عزّزت التحوُّل من التدريس باللغة الإنكليزية إلى العربية بتَقْويةِ ملَكةِ الطلاب في كِلْتا اللغتين بواقِع ساعتَيْن في الأسبوع لِكلِّ لُغةٍ على مدارِ العام الدراسيّ، وعلى مَدى الأربعةِ الأعوام الأولى في كُلِّ تخَصُّص (14).

القائلون بالتعريب ليسوا ضِدَّ تعزيز تعليم اللغة الأجنبيَّة- إنَّما هُم يَعْترضون بشدَّةٍ على إحلال اللغةِ الأجنبيَّةِ محَلَّ العربية كلُغةٍ لتعليم العلوم. فكما يَفْترضُ التعريبُ أن يُمارسَ المُهندسُ أو الطبيبُ أو الزراعيُّ أو حتى الجيولوجيُّ مِهنَته على الناس، وللناس باللغة القومية، رابطَتِه بِهِم ووَسيلةِ تفاهُمِه معَهُم، فإن نجاحَ مسيرة التعريب واستمراريَّتَها يتطلَّبان أن يكون هذا المُهندسُ أو الطبيبُ أو الخبيرُ الزراعيُّ ضليعا بلُغةٍ أجنبيَّةٍ تواصَلُ فيها وبِها مع العلماء أو مع مُنْجَزاتِهم لِمُتابعة الرَّكب العلميّ في تخصُّصِهِ والوقوفِ على آخرِ ما توصَّل إليه زملاؤُهُ العلماءُ في العالم من حولِه، فلا تحصُلُ فَجوةٌ علميَّةٌ بينَ ما درسَهُ هو كطالبٍ وبَيْن ما يَتِمُّ بعدَ تخرُّجِه كمُمارس.

إن الحاجةَ إلى إتقان لُغةٍ أجنبيَّةٍ عالَميَّةٍ مُعاصرة هيَ اليوم مَطلب تَربوي أساسي لِكُلِّ مُثقَّفٍ عربيِّ أو غير عربي، عالم أو غير عالم. لكن هذا لا يفترض ولا يتطلب اعتماد اللغة الأجنبية تلك كلغة لمختلف دراساتهم الأساسية. اللغة الانكليزية، مثلا، كما ألمحت سالفا، هي اليوم حاجة ضرورية يومية لعالم الفرنسي والألماني والروسي والياباني والكوري وأي عالم من أي قومية كان، فلماذا يا ترى لم تطرح مسألة اعتماد اللغة الانكليزية في تدريس مواد العلوم في أي من هذا البلاد؟

ما أثبتته الدراسات التربوية واللسانية في بلدان العالم المتقدم يؤكد أن التحسين في مستوى اللغة الأجنبية يرتبط وثيقا بكفاءة المعلمين وصلاحيته المناهج والوسائل التعليمية والمدرسية التي تتناول ذلك، لا بتعليم العلوم أو تعليم الرياضيات بها.

ويحتج معارضو العلوم أيضا بعدم توافر الكتب والدوريات والمصطلحات العلمية وبضرورة توافر هذه المستلزمات قبل بدايات التعريب. وخبرة الأقوام كلهم، وخبراتنا في بدايات عصر النهضة، تؤكد أن هذه كلها تأتي بالطريقة الأمثل مزامنة ومواكبة للتعريب لا قبله. إذ لا يمكن توافر الكتب والدوريات والمراجع العلمية العربية ما دام تعليم العلوم يجري بلغة أجنبية. سألوا أعضاء مجلس كلية طب جامعة القاهرة أين أضحت كتب تعليم الطب التي وضعت بالعربية إثر العدوان الثلاثي على مصر للسنوات الأولى والثانية والثالثة، فلم يستعمل منها إلا كتب السنة الأولى لفترة لم تطل . إسألوا مجمع اللغة العربية الأردني، وقد بذل جهوداً رصينة جبارة في ترجمة وإعداد كُتب علمية لم تجد من يدرسها- رغم عرضها على مختلف جامعاتنا في الوطن العربي، إسألوا المركز الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالإسكندرية، وقد أعد كتبا قيمة في الطب بإشراف نخبة من العلماء العرب، فلم يتحمس ناشر لإصدارها- وكلهم يتساءل معتذرا: ” أنشرها لمن؟”.

مشكلة الكتب والدوريات والمراجع، والمصطلحات العلمية أيضا مشكلة واحدة مترابطة؛ وهي في الواقع مشكلة كل لغة وليست خاصة باللغة العربية. وإلا ماذا كان يقول الكوري والألباني والبلغاري واليوغسلافي والإيراني والتركي والخمسون ثقافة التي كانت تؤلف الاتحاد السوفييتي- وكلهم طبقوا توطين العلوم واستنباتها بلغاتهم القومية بإمكانات لغوية ومادية وبشرية تتقزم أمام الإمكانات اللغوية والمادية والبشرية العربية.

تعريب العلوم صعب، لكنه ممكن- ممكن إذا توافر له العزم والنوايا الصادقة والثقة بالنفس والهمم المؤمنة القعساء. هكذا تمّ تعريب العلوم من فيزياء وكيمياء ونبات وحيوان وطب وصيدلة في مدرسة الطب في أبو زعبل ثم في قصر العيني بكتب، يقول مقرر لجنة المعجم الطبي الموحد(15) ، تشهد بالمستوى العلمي الراقي الذي كان عليه ذلك التعليم، والذي لم يكن ليقل عن مثيله في أي بلدٍ من بلدان الغرب حينئذ.

أو كما توافرت في الكلية السورية الإنجيلية حيث حققت كتب كرنيليوس فانديك في الكيمياء والطب والفيزياء وعلم الأمراض، وكتب يوحنا ورتبات في التشريح والفسيولوجية، وكتب جورج بوست في النبات والجراحة والأقرباذين، نجاحا مرموقا سبق أن أُلمْحَ إليه.

وطبعاً لا ننسى لفت المحتجين والمشككين إلى الإنجاز الرائع الحيّ المستمر الذي حققه ويحققه رواد التعريب من أساتذة المعهد الطبي في دمشق من أمثال مرشد خاطر وأحمد حمدي الخياط وصلاح الدين الكواكبي وحسني سبح وخلفهم الأماجد، في تحدي صعوبات تعريب العلوم وتجاوزها.

وإذا أردنا العبرة من خارج الوطن العربي، فلنعتبر بما حققه اليابانيون، وهم مزامنون لنا في الصحوة الحضارية، منذ انطلقت بعثاتهم إلى الغرب أواخر القرن الماضي ( ولم تكن أمريكا تستقطب طالبي العلم حينئذ) فنقلوا العلم إلى اليابانية، وحققوا بتوطينه واستنباته في بيتهم، ما تعرفون من جبروت الحضارة اليابانية، مع المحافظة على اللغة والتراث والكرامة.

وعذرا ان أنا استشهدت بالجامعة العبرية(وسائر الجامعات العبرية اليوم) التي راحت، منذ بدأت، تدرس مختلف مواد العلوم معبرنة. عذراً لو قارنت إنجازات الجامعة العبرية في القدس بمثيلتها، أعرق جامعاتنا في القاهرة، التي قامت رسمياً (بتسلم الدولة زمامها من مؤسسيها) في الوقت نفسه تقريبا. وكم كنت أتمنى لو يطمئنني أحد إلى أن إنجازات خريجي أعرق جامعاتنا هذه، التي اتخذت(طوعاً أو كرها) اللغة الانكليزية لغة لتدريس مختلف مواد العلوم منذ تأسيسها، تقارن إيجابيا في أي مجال علمي أو تقني او طبي بانجازات خريجي مزامنتها التي تدرس كل مواد العلوم والتقانات باللغة العبرية.

أيها الزملاء

مؤيدو تعريب العلوم لا ينكرون أن ما لدينا من مصطلحات ومن كتب ودوريات ومراجع علمية قليل ومحدود، كما لا ينكرون أن المكتبة العربية بمجملها تشكو من نقص في نتاج الفكر العالمي، لا في العلوم فقط، بل في شتى مجالات الثقافة. لكنهم يتساءلون أليس تقاعسنا عن عملية التعريب ومواكبة التطور العالمي المستمر، وإنماء لغتنا بالترجمة والتأليف، أليس هذا التقاعس هو المسؤول عن هذا النقص؟

الذين يطلبون توافر الكتب والمراجع والمصطلحات قبل التعريب يضعون العربة أمام الحصان، ويقيني أنهم أدرى الناس بذلك.

لماذا إذن التقاعس عن تعريب العلوم؟ بل لماذا التقاعس أمام تدريس العلوم معربة؟ فالسؤالان في الواقع مترابطان.

الأسباب الخفية لمعارضة حركة التعريب في بعض العالم العربي تعود إلى عوامل سياسية انتمائية- عرقية أو طائفية الجذور، لا مجال لإثارتها في منتدى لغوي علمي، لذا نتعرض فقط للأسباب الظاهرة العامة.

يجمع العارفون ممن عايشوا محاولات التعريب أن السبب الأهم وراء فشل أو عرقلة إمكانية نجاح حركات تعريب العلوم كان ولا يزال موقف الهيئات التدريسية في الجامعات العربية.

إنَّ معظم جامعاتنا ومعاهدنا تعتمد في إعداد هيئاتها التعليمية على خريجي الجامعات الأجنبية، ممن تبتعثهم الدولة أو الجامعات، أو الذين استطاعوا أو يستطيعون ذلك بوسائلهم الخاصة. وهؤلاء بحكم القانون الطبيعي في اختيار المسار الأسهل لا يرحبون بالتعريب إن لم يعارضوه علناً؛ لأن التدريس بالعربية سيتطلب منهم جهداً مضاعفاً يتهيبونه. فالتعبير السليم باللغة العربية غير متيسر لكثرتهم الكاثرة أولاً، ثم إن التدريس بالعربية يقتضيهم جهداً إضافيا في الإعداد والتفتيش عن المصطلحات أو وضعها، وهم بهذا الجهد ضنينون!

وإلى مثل هؤلاء يشير الدكتور محمود السمرة نائب رئيس مجمع اللغة العربية الأردني في قوله: “ولو أنهم اقتداء بالأشاوش رجال المعهد الطبي في دمشق آمنوا أن التدريس بالعربية يعني محافظة الأمة على شخصيتها وتراثها، وأن أفراد الأمة لا يمكن أن يبدعوا إلا من خلال لغتهم، وأنّ الطالب لا يمكن أن يستعوب المادة استيعاباً دقيقاً، في الوقت الأقل، إلاّ من خلال لغته، لهان عندهم أي جهد يمكن أن يقدموه من أجل التعريب (16) .

ولا نستهين بسلبية موقف القلة من أولئك الذين شدهوا بحضارة الغرب وتقنياته، فتحول انتماؤهم فكريا، وربما عقائديا، نحو الغرب. فإذا عرضت فكرة تعريب العلوم هزوا رؤوسهم ونأوا بجانبهم غير مكترثين حينا، وأحياناً ساخرين. هؤلاء تغربوا فنسوا مشيتهم، وكنا نريدهم يتغربون، لا كالغراب بل كالنحل يعودون إلى خلاياهم حاملين عسلاً بما جنوا من رحيق تلك الثقافات.

يا سادتي هنالك ناحية، وربما حرجة وجدلية، لكنها أساسية في موضوع العلوم تعريبا أو تغريبا، يثيرها السؤال التالي:

هل إن مدرسي مختلف العلوم عندنا في غالبيتهم، وفي العالم العربي إجمالاً، يجيدون، هم وطلابهم، اللغة الأجنبية التي بها يدرّسون ويَدْرسُون؟

أنا، من خبرتي الشخصية ومطالعاتي، أستطيع الإجابة عن هذا السؤال، بالنسبة إلى اللغة الإنكليزية، مع شيء من الجرأة والاعتذار، بالنفي- على الأقل بالنسبة إلى الطلاب.

لقد اطلعت خلال حياتي التعليمية وتجوالي في بعض البلدان العربية على كتب طلاب ( في مراحل التعليم المختلفة) ممن يدرسون مواد تلك الكتب بالانكليزية- من العلوم والرياضيات البسيطة حتى الطب والهندسة، فوجدتها، عند المجتهدين بخاصة، تعج بالمرادفات القاموسية العربية ( غير الدقيقة أحياناً) بحيث تكاد تغطي أسطر الكتاب المطبوعة. والطالب المسكين لا مناص له من ذلك إن اعتزم استيعاب مفاهيم تلك الأسطر. فالمفردة الواحدة إن جهل معناها ضاع مفهوم النص بكامله. هذا، وليس خافيا أنه حتى لو عرف الطالب كلُّ المقابلات العربية لكل مفردات النص، فإن عملية التعلم تظل تكتنفها الصعوبات- بالمقارنة مع عملية التعلم فيما لو كان الطالب يقرأ نصّاً بالعربية. وهذه الصعوبات تنعكس بالتالي نقصاً في قدرة الطالب على استيعاب مادة النصّ؛ فلا يتيسر له التعبير عنها تعبيراً صحيحاً- بالانكليزية ولا حتى بالعربية.

وقد اطلعت على نتائج دراسات أجريت في جامعات بعض من الدول العربية، حيث الانكليزية هي لغة التدريس، تشير إلى أن خريجي الثانويات الذين يتقدمون إليها يستطيعون، على الأغلب، متابعة دراساتهم لأي موضوع بالانكليزية؛ وأن تحصيلهم في اختبارات الكفاءة اللغوية لا يؤهلهم لدخول الجامعات الناطقة بالانكليزية في السنة الجامعية الأولى حيثما كان.

وفي استفتاء للأساتذة في إحدى جامعاتنا المشهورة حول تقييمهم لقدرات طلابهم في مهارات اللغة الانكليزية قيم، 10% فقط منهم مقدرة طلابهم في المحادثة بأنها جيدة أو جيدة جداً، بينما قيم 14% منهم فقط مقدرة طلابهم الكتابية في اللغة الانكليزية بذلك المستوى. أما إن كان طلابهم قادرين على استيعاب مساقات باللغة الانكليزية، فقد اقتصرت نسبة ردود الأساتذة إيجاباً، على 53 % فقط. وهذه جرأة مشكورة من الأساتذة في جامعة ترى إدارتها في استخدام الانكليزية لغة تدريس، مبعثا للتفاخر والاعتزاز (17) .

هذا الوضع لعله لا يمثل كامل الصورة- فالجامعة التي أجريت فيها هذه الدراسة هي ذات مستوى جيد عموماً. وقد خطط لهاحين أسست أن تكون كمعهد مساشوستش التقاني (MIT) في الشرق الأوسط. فلاستكمال الصورة، دعوني أُلخِّص لكم حديثا كان شافهني به صاحبه، ثم قرأته في نص محاضرة له ألقاها في مجمع اللغة العربية الأردني بمناسبة موسمه الثقافي الثاني.

يقول سيادته:

” لقد دفعني عملي الذي أضطلع به حاليّاً إلى الاطلاع عن كثب على تعليم الطب في الجامعات المصرية( وسواها) فرأيت أستاذاً يستعمل لغة لا يعرفها لينقل العلم إلى طالب لا يعرف هذه اللغة أيضاً.

ويتابع حضرته:

” وأوراق الامتحانات التي أطلعت عليها في بعض جامعاتنا التي تدرس بلغة أجنبية وينجح كاتبوها، لو أنها كتبت وصححت في البلد الأصلي لهذه اللغة الأجنبية، لكان إعطاؤها واحداً على عشرة صدقة من الصدقات” (18) .

وإلى مثل هذا أشار المرحوم الدكتور محمد أحمد سليمان في سياق حديثه حول عودة كلية طب جامعة القاهرة عن التدريس بالعربية إلى التدريس باللغة الإنكليزية بقوله ” وعادت الكتب الانكليزية، وعاد الأساتذة يلوُون ألسنتهم برطانة أعجمية لا يفهم الطلاب أغلبها والأدهى من ذلك أن كثيراً من المدرسين الجدد لا يفهمون كثيرا منها أيضاً، ولكنهم يلقونها على الطلاب كأنهم أجهزة تسجيل” (19).

إني لا أزعم أن مستوى الطلاب في اللغة العربية، في مجالات التعليم العالي بخاصة ( ولا أتعرض لمستوى الأساتذة) هو في المستوى المؤهل لدراسة العلوم على اختلافها بالعربية. ولكني مقتنعٌ، ولا أظنكم تخالفون، أن مستواهم فيها يظل أعلى قدراً وأكثر تأهيلا لاستيعاب ما يدرسون بها، منه باللغة الأجنبية.

تعريب العلوم ضرورة علمية، وهو أيضا ضرورة حضارية تنموية للإنسان العربي وتفكيره تقتضي عضونة العلم وتأصيله باللغة العربية في الوطن العربي. وإلاّ كيف يصل العلم إلى الفلاح والنجار والبناء والخباز والحداد والصانع والسمكري وسائق السيارة وغيرهم من أفراد المجتمع.كيف يصل العلم إلى هؤلاء إذا كانت كليات الزراعة والصناعة والهندسة والكيمياء والعلوم المختلفة تخرج لهم من لا يستطيعون إيصال ما يتعلمونه إليهم.

والتعريب كذلك ضرورة قومية – يقتضيها ترابطنا أفقيا كأمة أو على الأقل كشعوب على مدى الوطن العربي، ويقتضيها ترابطنا عمودياًّ مع تاريخنا وجذورنا وتراثنا وعروبتنا. لقد نجح الاستعماريون، والمنتدبون من قبل أنفسهم، في تقسيم الوطن العربيِّ سياسياً وإدارياً واقتصادياً وحتى ثقافياً، ولكنهم رغم محاولاتهم المتعددة لم ينجحوا في تمزيق اللغة العربية؛ فظلت ذلك الرابط الحضاري القومي الروحي؛ والتعريب هو تمتين لهذا الرابط.

والتعريب حتى يتجاوز كلُّ ذلك، لأنه قضية كرامة- كرامة لغة وكرامة أمة.

اسمعوا، أرجوكم، حديثَ بِن يهودا إن لم يكن قد أتاكم.

عند تولي البريطانيين مسؤولية الانتداب على فلسطين عام 1920 أصدرت حكومة الانتداب عملة نقش عليها اسم فلسطين بالانكليزية والعربية ولم تظهر اللغة العبرية عليها. فما كان من بن يهودا، أحد بناة إسرائيل، إلا أن كتب إلى المندوب السامي بحدة (وكان انكليزياًّ يهودياً) يقول: إنها لإهانة قومية أن تكون العبرية في منزلة دون منزلة الإنكليزية والعربية. ولم يمض طويل وقت حتى كان له، ولهم، ما أريد، وظهرت العملة المجددة منقوشة باللغات الثلاث بشكل دائري- لتأخذ العبرية منزلة مكافئة.

ولكن ماذا كتبوا؟ لم يكتبوا ” فلسطين” كما في الانكليزية والعربية، بل سطروها، طوَّبوها بالعبرية: ريتْس إيزراييل ” أرض إسرائيل”؛ فهل لأهل “وامُعتصماه” أن يعتبروا!

إذا كُنّا حقاً نؤمن أن التعريب ضرورة علمية وضرورة حضارية وضرورة قومية وقضية كرامة- الآن الآن وليس غداً، فلماذا ننتظر والوسائل غير مجهولة والسبيل بين. سلكه السلف أيام المأمون وبيت الحكمة فعربوا وأبدعوا؛ طبقه باراسيلْزوس- ثِيوفْراستُس بُومْباست- حين أحرق الكتب اللاتينية، ومن ضمنها ترجمات القانون لابن سينا، في ميدان حاشد في مدينة بال وحوله جمهرة من الطلبة يهتفون (في 24 حزيران 1527). ثم راح هو ومحازبوه يحاضرون ويؤلفون بالألمانية؛ وحذا الأوروبيون حذْوه في التعليم والتأليف بلغاتهم القومية وأبدعوا، وكتب بها شكسبير للامبراطورية البريطانية فشمخت وتعززت؛ ثم زالت الامبراطورية، لكن ظلت امبراطورية اللغة وامبارطورية شكسبير!

ولو نجيل النظر حولنا ونعتبر

لرأينا العلوم تفرسنت في إيران،

والتتريكُ طالَ العلومَ في تركيا-ولو تسألون كيف وبماذا !

إثر حملة تولاها ما سُمُّوا بعد ” الطلاب المجاهدين” وأيدتها الصحافة والرأي العام؛ فما كان من رئيس الشورى العسكرية أسعد باشا إلا أن استدعى ثلاثة من كبار هيئة التدريس الأجانب وسألهم: أيها أجدى وأعْوَدُ بالنفع على الأمة- التدريس بلغة أجنبية أم بلغتنا القومية؟ فكان جوابهم: التدريس بالتركية طبعاً أجدى؛ فكان التتريك.

واللافت،كما يخبرنا المرحوم الدكتور حسني سبح،أن تتريك الطب كان في الحقيقة شبه تعريب،إذ إن حوالى 90% من مصطلحاتهم كان ألفاظا عربية(20).

والذين اغتصبوا أرضنا، يا سادتي، ألم يعبرنوا العلوم على اختلافها، والأبحاث بمختلف تقاناتها، بلغة موات؟- باللغة التي أقاموها من العدم، بعد دثور دام عشرين قرنا. فجعلوا منها لا لغة التدريس في شتى العلوم والتقانات فقط ولا أداة حضارية تقام بها الندوات العلمية في علوم الذرة وتقانة الإلكترونيات فحسب، بل جعلوا منها أيضا وسيلة ترابط جامعة أسهمت في خلق الكيان الصهيوني وتوحيد شراذم المهاجرين إليه، المتعددي المشارب واللُّغَى!

وماذا بعد! يحضرني قول للبيروني في كتاب الصيدنة، لعله غير بعيد المتات عن لب موضوعنا. يقول أبو الريحان:

” لو كان في نواحينا مثل ديسقوريديسِ- من يصرف جهده على تعرف ما في جبالنا وبَوادِينا، لكانت تصير حشائشنا كلها أدوية”.

وأنا أستعير التشبيه لأقول: لو كان في نواحينا أمثال المأمون وباراسيلزوس وشكسبير وأسعد باشا وبن يهودا، لما كانت قضية، بل قضايا، تعريب العلوم اليوم، من شواغلنا. الملحق الأول (أ)و(ب)

  الملحق الأول(أ)

نهاريات

علموا من المأمون!

كلما دق الكوز بالجرة، يهدر بعض الأصوات مهددا متوعداً: أوعا عروبة لبنان.

وعلى الطالع والنازل، ومن دون سبب جوهري، ينقزون الناس: الويل لكم إذا دق أحد بعروبة لبنان.

ما بها عروبة لبنان؟

بل ماذا يقصدون بعروبة لبنان؟

وعلى أي أساس وفي أية مجالات؟

تعالوا نتصارح ونتفاهم: من هم الداعون إلى العروبة والتعريب، ومن هم المطلوب تعريبهم، وممن الخوف على عروبة هذا البلد؟

بالفعل، القصة بدأت تشغل البال.

هل المطلوب تعريب اللغة اللبناينة، واللبنانيون هم الذين صقلوا اللغة العربية، وأبدعوا باللغة العربية، وبشروا باللغة العربية، وأطلقوا اللغة العربية إلى القارات الخمس؟

أم المطلوب تعريب الأزياء، وتعريب الأسماء، وتعريب المأكل والعادات؟ عروبة لبنان…

فهمنا. أهي العروبة تصريح وتظاهرة وخطاب وبيان؟

أم انها تجارة يلجأ إليها من يضربه الإفلاس، وقناع يرتديه من تحوم حوله الشبيهات؟

أمس وقبله سمعنا نوابا ومستنوبين يقيمون الدنيا ويقعدونها لأن بعض المصطلحات والتعابير والأسماء يتعلمها تلاميذ المرحلة الابتدائية باللغة الأجنبية بلغتها الأم.

ياغيرة العروبة، هذه مؤامرة على عروبة لبنان.

المقصود، إذن، تعريب الكتاب الأجنبي، تعريب الرياضيات والعلوم، ومنه الأجيال الطالعة من معرفة اللغات الأجنبية. يتلقنون مناهج التكنولوجيا المتطورة والمعقدة، ومعها الذكاء الاصطناعي، وفوقهما الهندسة الوراثية… باللغة العربية!

ببساطة مطلوب، وفق هذه الرغبة الغبية، تخريج أجيال جاهلة ومتخلفة، لا أمل لها في التطور والمشاركة في ابداعات العصر، ولا مكان لها تحت الشمس.

هكذا، ومتى ساد الجهل، تتحقق عروبة لبنان، ويطمئن خاطرها ويصلها حقها؟

يخرب بيتكم الله.

مصرون على تشويه العروبة وتصويرها انها لا يصلها حقها ولا تكتمل إلا بالجهل والتجهيل.

ماذا يضير العروبة إذا كان الشباب اللبناني متمكناً من ثلاث أو أربع أو خمس لغات أجنبية؟

وأين الغضاضة والخطر على عروبة لبنان، إذا كان الشاب اللبناني يتقن الفرنسية والإنكليزية والألمانية واليابانية والصينية وغيرها؟

عندما أسس الخليفة المأمون ” بيت الحكمة” للبحوث العلمية، أوصى الكندي أن يستعين بعلماء من جهات الأرض الأربع. وحرّصه أن يتعلم العلماء العرب لغة هؤلاء العلماء، ليظلوا مواكبين حضارات الشعوب.

بمثل هذه الحكمة تكون اللهفة على العروبة ولغتها.

… اللغة العربية بألف خير من لبنان. فنحن أهلها وأهل العروبة.

” زيَّان”

محتويات
1 الملحق الأول(ب)
2 الملحق الثاني
3 الهوامش
4 المصادر

الملحق الأول(ب)
مع (زيان) نكرر المقولة ” تعلموا من المأمون”

الأستاذ زيان في نهاريات ” النهار” 18755 (الأربعاء9 شباط 1994) يربط قضية تعليم العلوم بالعربية- لا بلغة أجنبية- في المراحل الابتدائية والمتوسطة(حتى الثانوية)- بقصة ” كلما دق الكوز بالجرّة” و”عروبة لبنان”.

الواقع أن ” عروبة لبنان” و” فضل لبنان على العربية ونهضتها الحديثة” و” موقع لبنان المميز في العالم العربي” أمور في حكم المسلمات. والإشارة إليها في سياق تعليم العلوم في المرحلة الابتدائية باللغة الأجنبية وما أثير حوله هي إخراج الموضوع من حيز النقاش والبحث العلمي والتربوي إلى حديث وسياسة هما حديث وسياسة ” دق الكوز بالجرة”.

فالقضية في الواقع تربوية علمية نفسية صرف، ولا يجوز تسييسها. فليس من مُرب مخلص مهما كانت جنسيته أو لغته، لو سألناه:

أيهما أفضل للولد، تدريسه العلوم بلغته أو بلغة أجنبية؟ إلاّ ويجيب مؤيداً الخيار الأول. فعلماء التربية في كل زمان ومكان نادوا بالقول، وأثبتوا بالاختيار ، أن الطالب( الناشئ خاصة) يستوعب المفاهيم العلمية والرياضية وسواها عموماً بلغته القومية أكثر بكثير وأيسر بكثير وأعمق بكثير مما يستوعبه منها بلغة أجنبية. ولا أظن الأستاذ زيّان من غير هذا الرأي.

وهكذا ، لن تجد في أنحاء العالم قاطبة بلداً يُدرس مواد العلوم والرياضيات بغير لغته القومية الا في عالمنا العربي المسكين المهدد في كل شيء. بل إني لا أعرف بلداً تدرس فيه مواد العلوم والرياضيات، حتى في معاهده العليا بغير اللغة القومية، إلا معظم بلادنا العربية في جامعاتها السبعين.

فُرِضَ تعليم العلوم والرياضيات، وأحياناً الاجتماعيات باللغة الأجنبية قهراً على الشعوب العربية أيام الاحتلال والاستعمار والانتداب في شتى أرجاء الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه. وللأسف زال الاستعمار والانتداب والاحتلال واستمر الوضع في كثير من المعاهد الابتدائية والمتوسطة وفي معظم معاهد التعليم العالي على ذلك- ربما بقوة الاستمرار أو لأسباب تخفى علينا جميعاً. فما أن تنتعش حركات تعريب التعليم في هذه المجالات وتكاد تعمم في قطر حتى نجدها تنتكس، كما الحال في تونس والجزائر مغرباً، وفي مصر والأردن مشرقاً.

خبرت شخصياً دراسة العلوم والرياضيات وتدريسها باللغتين العربية ثم اللغة الانكليزية. وأذكر خلال تدريسي هذه المواد باللغة الأجنبية حينما كان يصعب على طلابي استيعاب المفهوم الفيزيائي أو الكيميائي أو الاحيائي باللغة الأجنبية أنني أجدهم سرعان ما يتجاوزون هذه الصعوبة حين أعيد لهم شرح المفهوم باللغة العربية.

في ترحالي وتجوالي بين البلاد العربية شاهدت كتباً في العلوم والرياضيات لكثير من الفتيان ممن يدرسون هذه المواد بلغة أجنبية- الانكليزية خاصة- في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة (وبعض هؤلاء الفتيان من أبناء أصدقائي أو من ذوي قرباي، أولاد اخوتي وأخواتي)، وكنت أقرف جزعاً وأشفق تأسياً لما أرى في تلك الكتب من اختلاط الكلام العربي المضاف، بنظام وبغير نظام، فيكاد يغطي النص الأجنبي.

كلنا كمربين نعلم يقينا أن اللغة القومية- اللغة الأم- هي وسيلة الولد السهلة المأخذ والطبيعية التفاعل إلى العلم والثقافة. وفيها تتكون وتنشأ وتتنامى حصيلته العلمية وكتلة التعلم لديه، آنياً ومستقبلاً. ومن الظلم، وأكاد أقول الإجرام، إثقال كاهله وإرهاق فكره وإرباك ذاكرته بتضارب المفاهيم والمصطلحات باللغة الغربية.

وتطبيقاً لهذا المبدأ التربوي الوثيق نجد أن مدارس الدولة في الولايات المتحدة الأمريكية (وبقرارٍ من المحكمة العليا فيها) تدرس أبناء الجاليات من الأقليات بلغتهم الأصلية في المرحلة الابتدائية دون أن يستثنى منها مواد العلوم والرياضيات( وهو مدار القضية التي نعالجها هنا)- علماً أن اللغة المستقبلية الرسمية والعامة لأبناء هذه الجاليات جميعاً هي حتما الانكليزية. يعني أن القضية لسيت جدلية بل هي قضية حق أساسي للولد كإنسان والمهم أن تعالج القضية من هذا المنطلق!

إنه لمن الأمور المضللة ربط قضية تعلم اللغات الأجنبية بقضية تعليم العلوم والرياضيات بها. فنحن مع تعليم اللغات الأجنبية وإتقان واحدة منها على الأقل بمستوى رفيع يضمن تواصل المتعلم لاحقا بالعالم الخارجي علمياً وثقافياً واجتماعياً. لكن ذلك لا يعني أنا نقر بمبدأ تدريس هذه المواد في مراحل التعليم الأولى خاصة، بلغة أجنبية.

إن اللغة الإنكليزية اليوم تجتاح العالم، وهي تحتل المرتبة الأولى بين اللغات التي تدرس كلغة ثانية في شتى بلاد العالم. ولكننا لا نعرف بلداً واحداً (في غير العالم العربي) أقْدَمَ- أو حتى فَكّر أو عَمِل- على تدريس مواد العلوم والرياضيات بغير لغته القومية، من فرنسا إلى الصين واليابان والبرازيل وكوريا وألبانيا وإسرائيل، ولعله في بلاد الماو ماو أيضاً.

إن اتقان اللغة الأجنبية يتم بأساليب معروفة، من أهمها رفع مستوى من يقومون بتدريسها ( وهذه ناحية أتحدى أن تجدها بالمستوى المطلوب في معظم مدارسنا في شتى أرجاء الوطن العربي)، وكذلك بتحسين وسائل تعليمها وزيادة حصص تدريس تلك اللغة وإسماعها للطلاب بالنطق الصحيح والسليم.

إن أهمية اللغة الأجنبية للطلاب ولدراساتهم اللاحقة مستقبلاً أمر لا خلاف فيه ولا عليه، لكن التركيز الذي يخلطه ويربطه بتعليم العلوم أمر آخر- لعلى أقول فيه ” إنه قضية حق يراد بها باطل”.

إن النتائج التي سجلها الدارسون والمراقبون في البلاد والمؤسسات(21) حيث تحول تعليم العلوم والرياضيات إلى اللغة العربية (من الأجنبية) أظهرت تحسناً ملموساً لا في مستوى استيعاب مواد العلوم والرياضيات فقط، بل في مستوى اللغة الأجنبية أيضاً، لأن ذلك التحول رافقه تحسين في مستوى تدريس اللغة الأجنبية.

وألفت الأستاذ زيان ومن يشاركونه الرأي إلى خطر مركب النقص القاتل الذي ينغرس في نفسية الطالب الناشىء إذا ما أشرب بقصد أو غير قصد، أن لغته القومية ناقصة وعاجزة عن أن تكون لغة يستوعب بها هو ورعيله مواد العلوم والرياضيات. إن كرامة الولد وشخصيته القومية حينئذ ناقصتان مهتزتان ذليلتان.

إني أرى في تدريس العلوم والرياضيات في المراحل الابتدائية والمتوسطة اليوم (وفي المراحل الثانوية والعالية مستقبلاً) إذلالاً للغة وللشخصية وللكرامة القومية والوطنية.

وللعبرة فقط أورد الحادثة التالية:

أوائل العشرينيات من هذا القرن افتتحت الجمعية اليهودية الألمانية ” معهد التخنكو” – التكنولوجية- في حيفا، وأنشأته بأموال وجهود من أعضائها وخبرائها الألمان. وارتأت الجمعية جعل الألمانية لغة التدريس في المعهد لأن العبرية ليست متطورة إلى القدر الذي يسمح باستعمالها في مجال تعليم العلوم والتكنولوجية. فقامت الدنيا هناك بموجات الاحتجاج وإضراب المعلمين والتلاميذ وبمساندة الصحافة والرأي العام- معتبرين ذلك إهانة قومية، فاضطرت الجمعية إلى التراجع، فكانت الدروس تترجم من الألمانية لتلقى على الطلاب بالعبرية. وتم للمعتزين بلغتهم الواهنة ما أرادوا. ومنذ أعوام، عقدت في هذا المعهد ندوة دولية في شؤون الذرة والنوويات، وكانت العبرية لغة الندوة الوحيدة.

يا أستاذ زيان

المأمون أوصى العلماء العرب بتعلم لغة العلماء الأجانب- وهذا ممتاز، بل هذا بعض ما نستهدفه،

لكنك نسيت،أو لعلك تناسيت، أن المأمون نفسه أمر ونفذ وتابع تعريب الدواوين ومختلف نواحي الشؤون الاجتماعية والعلمية والفلسفية والرياضية والطبية. ولعلك تذكر أن العالم الذي كان يقدم إلى “بيت الحكمة” كتاباً قيماً من تأليفه أو ترجمته كان يتلقى مقدار وزنه ذهباً!

يا سيدي نحن نكرر معك مقولتك ونعتز بها: تعلموا من المأمون ولك تحياتي

أبو هاني

الملحق الثاني
تدريس العلوم بالعربية في الجامعة الأمريكية لسليمان بك أبي عز الدين

إن الاعتماد على لغة البلاد في تلقين العلوم لكل أمة لها وحدة جنسية ولغة صالحة للتعليم أمر طبيعي وقاعدة عامة. فتلقينا العلوم بلغة أجنبية فيه شذوذ عن هذه القاعدة لا مبرر له بل هو مضر بنا علمياً ومضعف للغتنا وقوميتنا.

فالعلم أسهل تناولاً على الطالب وأرسخ في ذهنه إذا درسه بلغته التي رضعها مع اللبن مما لو درسه بلغة أجنبية. وتفوق الكثيرين من مخرجي الجامعة في عهدها الأول عهد التدريس باللغة العربية يؤيد ذلك.

أما العدول عن التدريس بلغتنا فإنه يضيق نطاق التأليف بها فيحرمها مؤلفات نفيسة تزداد بوجودها قيمة كما إنه يحول دون اقتباسها كثيراً من الاصطلاحات العلمية والفنية التي تساعد على نموها. فبالاقتباس نمت جميع اللغات الحية واللغة العربية نالت قسطاً وافراً من ذلك في أثناء الفتح الإسلامي وامتزاج الأمة العربية بغيرها من الأمم، وعندما نقلت إليها علوم اليونان وغيرهم في عهد العباسيين.

أما الضرر القومي من التعليم بلغة أجنبية فظاهرٌ كل الظهور في جميع أنحاء سوريا حيث ترى القوم مختلفي المشارب والنزعات وقد تضعضعت أركان قوميتهم الأصلية دون أن يكتسبوا قومية الأمة التي تلقوا العلوم بلغتها، وهذا من أهم أسباب ضعف مجموعنا رغماً عما هو مشهور عن قوة أفرادنا.

أما المصاعب التي يقال إنها اعترضت في سبيل التعليم باللغة العربية في ما مضى فهي:

  1. عدم وجود الكتب العربية اللازمة للتدريس.
  2. عدم وجود مطولات ومجلات علمية تمكن طلاب العلم من التوسع فيها وتتبع سير العلوم في تقدمها المتواصل.
  3. افتقار اللغة العربية للاصطلاحات العلمية الحديثة.
  4. عدم وجود أساتذة أكفياء يقومون بتدريس العلوم باللغة العربية.

وقد قيل أخيراً بوجود عقبة خامسة وهو أن التدريس باللغة العربية يحرم كثيرين من الطلبة الأروام والأرمن تلقي العلوم في الجامعة.

فهذه الاعتراضات مردود عليها ردّاً إجمالياً بتمكن الأتراك من تدريس العلوم بلغتهم، واللغة العربية كما لا يخفى، أغزر مادة من اللغة التركية وأرقى منها بدرجات وليس أهل العلم بينهم بأكثر عدداً وأرسخ قدماً في العلوم من الناطقين باللغة العربية.

وفي ما يلي رد تفصيلي على كل اعتراض على حدة:

  1. إن وجود كتب التدريس في العربية يتوقف على وجود التدريس بهذه اللغة. لأنها إذا وجدت ولم تستعمل للتدريس لا تصلح لأي غرض آخر فيذهب ما ينفق عليها من الوقت والمال سُدى فقرروا التدريس باللغة العربية تنشأ الكتب اللازمة لها. فالمقدرة على التأليف موجودة ورواج الكتب مكفول لأن نطاق المعارف في بلادنا آخذ في الاتساع ومدارس دمشق والعراق لغتها العربية كما أن الحكومة المصرية قد شرعت في تحول التدريس إلى اللغة العربية.
  2. أما قلة عدد المطولات والمجلات العلمية فناشئ عن حصر التعليم بلغات أجنبية وهذا يجعل أهل العلم أكثر طلبا للتبحر في العلوم في كتب اللغة التي تلقوا دروسهم بها. على أنه رغماً عن هذا قد أدت النهضة العلمية الحديثة إلى تأليف بعض المطولات وإنشاء مجلات علمية وفنية باللغة العربية كالمقتطف والمجلة الطبية المصرية والمجلة التجارية ومجلة المضمار التي تبحث في مواضيع الرياضة الجسدية.
  3. إذ صح الزعم أن اللغة العربية مفتقرة إلى الاصطلاحات العلمية الحديثة فهي تستوي في ذلك بغيرها من اللغات، فسائر اللغات الحديثة اقتبست ما افتقرت إليه من اللغات القديمة كاليونانية واللاتينية. واللغة العربية في كل عصر كانت تقتبس من غيرها. كما أن غيرها اقتبس منها. فإليها نقلت قبلاً علوم الأقدمين وفنونهم وفلسفتهم. ومنها نقلت إلى اللغات الأوروبية وبها كان التدريس في جميع الأقطار العربية حينما كانت بضاعة العلم رائجة في العراق وسوريا ومصر والأندلس، وبقيت كذلك حتى أواخر القرن الماضي في مصر وسوريا. وأهم أسباب العدول عن التدريس بها في القطر المصري سياسية لا فنية. وها هي الحكومة المصرية تنوي الرجوع إلى التدريس بها ودمشق والعراق معتمدتان عليها. فكل تقدم يسقط حجة القائلين بعدم صلاحيتها للتعليم لافتقارها إلى الاصطلاحات العلمية.
  4. إن وجود عدد غير يسير من الأساتذة الوطنيين في الجامعة الأمريكية وفي المكتب الطبي الإفرنسي في بيروت وفي مدارس الحكومة في دمشق وبغداد مما يدحض قول القائلين بعدم كفاية أساتذتنا لتدريس العلوم. والكفاية تتوقف على الاستعداد الفطري والاقتباس بالدرس والممارسة، ولا أظن أن أحداً ينكر على السوريين حسن استعدادهم الفطري لا سيما وأمر الدرس والممارسة ميسر لمن شاء ومدارس أوروبا وأميركا مفتوحة أبوابها لمن طلب التوسع والتخصص. والخطة الحكيمة التي اتخذتها الجامعة الأمريكية بإيفاد أساتذتها إلى جامعات الولايات المتحدة مما يساعد على استيفاء شروط الكفاية. ونحن نسلم إنه لو كان المطلوب تحويل التعليم من الإنكليزية إلى العربية دفعة واحدة لشعرنا بالافتقار إلى أكفياء لتدريس بعض العلوم. أما وغرضنا التحويل التدريجي والشروع فيه من الصفوف الابتدائية والتدرج منها إلى الأعلى فالأعلى سنة فسنة، فيتسع الوقت لاستعداد الأساتذة الأمريكيين والشرقيين لتلقين العلوم التي يدرسونها بلغة هذه البلاد.
  5. شاءت الأمة الأمريكية السخية نشر العلم والمبادئ الحرة في هذه البلاد فأنشأت هذه الجامعة للنفع المجرد. فالتشبث بعمل يضر السوريين مراعاة لغيرهم لا يتفق مع الغاية التي أنشئت من أجلها لا سيما وأن بعض الطلب الأروام والأرمن يفدون إلى هذه الجامعة من بلاد عربية كمصر وحلب وغيرهما، فهؤلاء يعتبرون كأبناء الأقطار العربية. أما غير هؤلاء من الأروام والأرمن فسواءٌ عليهم كانوا في سوريا أم سواها لأنهم حيثما ذهبوا إلى خارج وطنهم سيكونون غرباء فيمكنهم والحالة هذه أن يطلبوا العلم في غير المدارس السورية أو أن يختاروا درس لغة البلاد وتلقي العلوم بها فينزلوا منا منزلة الإخوان ويحلوا بيننا على الرحب والسعة.

ولا يخفى انه إذا كان التعليم باللغة العربية سيحرم عدداً يسيراً من الأروام والأرمن دخول هذه الجامعة فإن بقاء التعليم باللغة الإنكليزية سيحرم عدداً أكبر منه من أبناء الأقطار العربية المختلفة طلب العلم فيها، ويترك في نفوسهم ونفوس مواطنيهم أسوأ تأثير.

فإلى عمدة الجامعة الموقرة نبسط الرجاء بأن ترمق هذا الإقتراح بعين الرضا وتنتخب لجنة خاصة لوضع خطة لتنفيذه واتخاذ التدابير اللازمة التي تكفل تذليل كل عقبة تعترض في سبيله.

مجلة الكلية ج 8، عام 1923

الهوامش

  1. أنظر الملحق الأول (أ وَب) في آخر هذا البحث.
  2. الفيلسوف الألماني جوهان فردريك هربارت1776-1841.
  3. د. محمد السوسي- محاضرة في المجلس العلمي للمؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات، تونس، ديسمبر 1984.
  4. د. مناف مهدي محمد- اللسان العربي، العدد30.
  5. والذين يؤرخون للنهضة العلمية في هذا العصر يذكرون بالخير جهود محمود قبانو ومكتب العلوم العربيَّة الذي أنشأه أحمد باي أواسط القرن التاسع عشر في تونس قبل أن احتلها الفرنسيون عام 1881.
  6. الطبيب الألماني تيودور بلهارس عام 1851.
  7. من بينهم خليل مطران ومصطفى الرافعي ومحمد كرد علي وجبران خليل جبران وعيسى المعلوف وانطوان الجميل وأمين واصف وغيرهم.
  8. أنظر هذا المقال في الملحق الثاني في نهاية البحث.
  9. د. عبد الكريم خليفة- اللغة العربية والتعريب، ص147-170 تجربة مجمع اللغة العربية الأردني في تعريب التعليم العلمي الجامعي.
  10. محاضرة مدير مركز اعداد المعلمين لجمعية المقاصد الخيرية في بيروت الأستاذ كامل شاهين.
  11. المصدر نفسه.
  12. كاتب هذه السطور ينتمي إلى هذه الفئة من الطلاب.
  13. وأعجب العجب أن لا مانع لديهم أن يطلب من خريجي جامعات غير انكليزية (فرنسية أو ألمانية أو إيطالية أو روسية الخ) التعليمُ بالانكليزية لرفع مستوى الطلاب في تلك اللغة.
  14. حديث حول مسيرة التعريب في جامعة الخرطوم- للدكتور عبد العزيز الطيب ابراهيم في ندوة تطوير منهجية وضع المصطلح العربي وسبل إشاعة المصطلح الموحد، عمان (أيلول 1993).
  15. الدكتور محمد هيثم الخياط، في محاضرة بعنوان ” تعريب العلوم الطبية”، الموسم الثقافي الثاني- منشورات مجمع اللغة العربية الأردني 1984.
  16. مجلة مجمع اللغة العربية الأردني – العدد المزدوج 15،16(1982).
  17. يراجع في هذا الصدد مبحث “لغة التعليم العالي في الجامعات العربية”، دور الانجليزية في سياق التعرب”، للدكتور محمد راجي الزغول والدكتور رياض فايز حسن، مجلة مجمع اللغة العربية الأردني العدد 33(1987).
  18. الدكتور محمد هيثم الخياط، نائب مدير المكتب الإقليمي لشرق البحر المتوسط في منظمة الصحة العالمية-” تعريب العلوم الطبية”، الموسم الثقافي الثاني لمجمع اللغة العربية الأردني 1984.
  19. الدكتور محمد أحمد سليمان، مداخلته في الموسم الثقافي الثاني لمجمع اللغة العربية الأردني ،1984.
  20. حديث للدكتور حُسني سبح في مجمع اللغة العربية الأردني أوردته مجلة اللسان العربي العدد 27 (عام1986).
  21. من هذه المؤسسات مدارس جمعية المقاصد في بيروت والمدارس القومية في تونس والجامعة الأردنية.

. عضو المجمع المراسل، مجمع اللغة العربية، بالقاهرة، عضو شرف ، مجمع اللغة العربية الأردني، عمان، رئيس دائرة المعاجم، مكتبة لبنان، بيروت

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *