تعريب العلوم

تعريب العلوم: الفريضة المُضيَّعة!

نتناول في هذا المقال ملابسات ومآلات عملية تعرف بالتعريب، نادى إليها الكثيرون من العرب لفترة طويلة، ووقف ضدها آخرون، حتى جاء قرار وزارة التعليم المصرية بالبدء في تلك الخطوة، فهل ما تنتويه الوزارة صواب أم خطأ، أم صواب يحتاج إلى كيفية معينة؟

ماهية قرار وزارة التربية والتعليم


كثير من الصخب المصحوب بالاعتراضات حول قرار وزارة التربية والتعليم المصرية، والذي يتلخص في: إلغاء نظام دراسة المواد العلمية – الفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها- باللغة الأجنبية، والاعتماد بشكل كلي على اللغة الأم للبلاد، وهي اللغة العربية، بعد عملية تعريب للعلوم. من وجهة نظر أخرى يُنظر إلى القرار على أنه يحمل في طياته مزايا عدة – إنْ نُفّذ تنفيذًا مثاليًا- لذلك ينبغي بادئ ذي بدء أن نتريث قبل إصدار الحكم عليه، وليس معنى السخط على جُلّ ما يُصدر من قرارات أن نتحامل على ما قد يُفضي إلى خير في يومٍ ما.

تهيئة، أولًا: كلنا يعلم أن الطفل في مقتبل عمره يعمل عمل كائن الإسفنج، حيث يمتص أي شيء حوله محاولًا بذلك تكوين بنيته الأولية التي ستساهم في بناء شخصيته التراكمية، وهذا الفرد الناشئ سيصبح فيما بعد دعامة من دعامات المجتمع. إن أهم أمرين يؤثران في تكوين الفرد تأثيرًا عميقًا جذريًا هما اللغة التي يتربى عليها، والثقافة التي تحيط به، بحيث يُتصور أن تختلف توجهات وأفكار واعتقادات الشخص إذا اختلفت لغته وثقافته.

ثانيًا: إن احتفاظ كل دولةٍ أو كل أمةٍ بلغتها الأم والتمسك الشديد بها لواحد من أهم مقومات الحفاظ على الهوية والتماسك لدى الأمم، بل الحفاظ على الأمة نفسها من الاندثار، فعلى مر العصور نجد أن أهم شيء تحاول كل أمة – المثقفون منها- الحفاظ عليه هو اللغة والثقافة اللتان تحافظان على هوية تلك الأمة، فلو تخلت الأمة شيئًا فشيئًا عن لغتها الأم، لضاعت في غياهب التيه والتخبط، ولحلت ثقافة واعتقاد جديدان على تلك الأمة، وهذا الأمر إما أن يحدث على مراحل زمنية طويلة، أو أن يحدث تغريب مفاجئ قوي، سواء باستخدام قوة مفرطة، أو بقوة ناعمة (تأثير الغالب على المغلوب).

ثالثًا: وهو مثال عملي منذ خمسة قرون، فقبل ظهور النهضة الأوروبية، سُبقت بحركة ترجمة للكتب والمخطوطات العربية الجامعة لأشتات العلوم في ذلك الوقت، فلم يقتصر الأمر على مجرد التعلم بالعربية، بل آثروا المشقة على الدعة، فقاموا بالترجمة للغتهم ليمتلكوا العلم حقيقة، لا أن يكون أمام أعينهم سرابًا كما هو الحال معنا الآن.

رابعًا: إن لحركات الاستعمار دورًا أساسيًا في ظهور تلك الاعتراضات على القرار الوزاري من قبل البعض، كلنا يعرف أن أهم الأشياء التي ركزت عليها حركات الاستعمار هي نشر ثقافة المستعمر ولغته، حتى يبني من خلالها قوة ناعمة يتحكم بها في الشعوب فيما بعد، فأصبح للمستعمر أفكار تحملها الشعوب المُستعمَرة، تدافع بها عن الاستعمار وتَحلِفُ بحياته، حتى بعد جلائه ظاهريًا، ونتج عن ذلك كله وجود كثير من المنهزمين نفسيًا أمام التقدم العلمي الطاغي للغرب، حيث محاولة التشبه بالغرب في كل ما يُستطاع من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ وغيره، وقد أرسى «ابن خلدون» ذلك في الفصل الثالث والعشرين من مقدمته تحت قاعدة:

«مقدمة ابن خلدون» الجزء الأول،ص 283.

الجدير بلفت الانتباه هو أنَّ ابن خلدون ذكر هذه القاعدة لِما رآه من تشبه الأوروبيين بالمسلمين العرب في الأندلس، وتلك الأيام نداولها بين الناس. [آل عمران- 140].

ما العلاقة إذن؟ من الضروري جدًا في سن مبكرة أن تُرسى اللغة الأم بشكل أساس، لذلك نجد أن الدول المتقدمة – غير التابعة- لا تُدخِل على طلابها لغة خلاف لغتها الأم في سن مبكرة، أي قبل 9 سنوات أو 13 سنة أحيانًا، على عكس الدول النامية التي يبدأ تعلم إحدى اللغات الأجنبية فيها من سن 4 سنوات تقريبًا، وأما عن دراسة العلوم بلغة أجنبية فنجد إصرار دول مثل اليابان وألمانيا على التعلم باللغة الأم إصرارًا بالغًا، مع تأهيل الطالب للتعلم بالإنجليزية أيضًا.

أما ما يُذكر من أدعياء الثقافة وحاملي نطفة الاستعمار من أنه من الممكن أن نُعوّض الطالب عن فقدانه لغته الأم في تعلم العلوم بها، بأن نعطيه منهجًا مكثفًا في لغته، بحيث يقوى على التحدث بها وحمايتها من الاندثار.. فالحقيقة أنهم لما يفهموا بعد مآلات الأمور وأهدافها، فإنه لو سلمنا بأن مجرد المحافظة على تعليم العربية – كمادةٍ- تعليمًا جيدًا سيحميها! فنحن لم نقصد مجرد حماية العربية فقط، وإنما المقصد أن ترتبط العربية ارتباطًا وجدانيًا بالطالب منذ نعومة أظافره؛ بحيث يتولد عنده اتصالٌ حضاريٌ ومعرفيٌ بالأمة، فتتولد الرغبة في الإنتاج في جميع الأصعدة، خاصةً الصعيد الثقافي والحضاري، وقصدنا أيضًا زيادة تشبع الطالب للعلوم وزيادة استيعابه لها، حتى توجد المَلَكةُ العلمية لدى طلاب اليوم علماء الغد، فتصبح لديهم القدرة على الإنتاج العلمي غير المقتصر على مجرد التقليد.

ماذا عن آلية التنفيذ؟


كما أشرنا سابقًا، فإن تنشئة الأجيال على اللغة العربية وجعلهم متقنين لها لأمر مُتفق على فضيلته، على الأقل عند من يملكون رأيهم، لكن كيف سيكون التعامل في ظل الظروف التي تحيط بنا؟ حيث إن ما يقرب من 80% من البحث العلمي على مستوى العالم باللغة الإنجليزية! فهل نكون بذلك قد ظلمنا الطالب حينما لم نعلمه العلوم باللغة العلمية العالمية المشتركة؟

أعتقد أن الأمر لا يُحمل على هذا المعنى، فليس معنى تعلم العلوم باللغة العربية بعد تعريبها أن نهمل التعلم باللغة التي يسجل بها معظم العلم حاليًا، وفي هذا الشأن نكون أمام خياراتٍ ثلاثة:

  1. تعليم العلوم باللغة الأم حتى سنٍ معينة، وليكن حتى المرحلة الثانوية، ثم البدء في تعليم العلوم باللغة الإنجليزية، وهذا طريق غير مُحبّذ لأنه سيخفف فقط من وطأة مشكلة التبعية الناتجة عن إهمال التعريب، وهذا الحل أيضًا سيكون محاولةً لإرضاء الجماهير الغاضبة التي ربما لا تعرف الأمور إلا بنظرة سطحية.
  2. أن يتم استكمال الطالب التعلم باللغة العربية حتى نهاية التعليم، حينها لا بد من توفير وظائف جمة في البلاد حتى تستوعب الأعداد المهولة المتخرجة، والتي لا تستطيع بدورها العمل في الخارج إلا بعد محاولة دراسة العلم بلغة أجنبية، وهذا الأمر يكون أكثر إلحاحًا لأصحاب العلوم الطبيعية، كخريجي كليات العلوم والطب والهندسة، فهل يتم وضع ذلك في الاعتبار؟
  3. أن يتم في مرحلةٍ تعليميةٍ معينةٍ إكساب الطالب مهارة تعلم العلم باللغة العلمية العالمية المشتركة (الإنجليزية)، مع الحفاظ على معرفته العلم بلغته الأصلية (العربية)، كما تفعل الدول المشار إليها مسبقًا، وهذا ما أُحبذه، حيث تُفتح خيارات عدة أمام الطالب.. لكن تنفيذ هذا الأمر يحتاج إلى مجهود كبير من الجهة التعليمية والطالب على حدٍ سواء، مع تبني للفكرة من المجتمع بشكلٍ شاملٍ.

نَخلُص من ذلك بأن الغرض من التعريب والمحافظة على اللغة الأم ليس الانفصال عن العالم وترك ما يقدمه من علمٍ كما يدعي البعض، حيث يُتهم مناصرو فكرة التعريب بالرجعية والتخلف.. وإنما الغرض هو السعي وراء امتلاك المَلَكَةِ العلمية التي ستؤهلنا يومًا لإنتاج علمي.

لماذا كل هذا الإصرار على التعلم بالعربية؟


تشير تقديرات جمة إلى أن تعلم العلوم بلغة غير اللغة الأصلية يقتل كثيرًا من الإبداع عند الشخص، وعلى النقيض نجد أن تعلم العلوم باللغة الأم يزيد من فرصة الإبداع، وقد ذكرت ذلك امرأة إنجليزية قامت بالتدريس في دول الخليج لمدة 30 عامًا، تُدعى «باتريشه راين»، حيث ألقت محاضرة على منصة «TEDx» تحت عنوان: «Don’t insist in English»، بمعنى: «لا تُصِرّ على الإنجليزية»، أي لا تصر على التعلم بالإنجليزية حتى لا تقتل الإبداع بداخلك.

وقد نشرت منظمة اليونسكو بحثًا تحت عنوان: «Mother Tongue Matters» أي: «المسائل المتعلقة باللغة الأم»، وضحت فيه أهمية التعلم باللغة الأم، وضربت مثالًا على ذلك بمدى تأثير تعلم الطلاب في مالي بلغتهم الأم واللغة الفرنسية، بدلًا من اللغة الفرنسية فقط على الإبداع لديهم، حيث أثبتت الدراسة التي أُجريت بين عامي 1994 و2000 أن التعلم بإحدى اللغات المحلية إلى جانب الفرنسية أعطى نتائج أفضل بكثير من التعلم باللغة الفرنسية فقط، فكيف إذا كان الاعتماد في التعليم على اللغات المحلية أكبر وأكبر؟

وقد نشر الأستاذ الدكتور «إبراهيم بن أحمد مسلم الحارثي» بحثًا بعنوان: «أثر التعليم باللغة الأجنبية على التعليم باللغة العربية»، وبيّن فيه مساوئ عملية الغمر اللغوي، وهي «نوع من التدريس ثنائي اللغة يجعل اللغة الأجنبية مسيطرة على التعليم والتعامل والبيئة المدرسية، بحيث تُغمر جميع مناحي التعامل داخل المؤسسة التعليمية».

أمثلة عملية واقعية على أثر اللغة الأم في تقدم الأمم
في أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره، وزيّه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده.
الأمثلة على ذلك كثيرة جدًا حية إلى يومنا هذا، فعلى سبيل المثال لا الحصر أنه من المشهور جدًا أنّ تعلم الطب في سوريا – أزال الله عنها الغمة- كان باللغة العربية، فكان الجانب الإيجابي في الأمر هو حذاقة ومهارة الأطباء السوريين وابتكارهم للعقاقير، أما الجانب السلبي فظهر بعد اضطرار الكثيرين من السوريين للهجرة من بلادهم، فوجد الأطباء صعوبة في التعامل مع الحياة الطبية الجديدة بغير اللغة التي اعتادوها.

مثال آخر حي إلى الآن، لكنه أكثر اتزانًا واتساقًا من المثال السوري، وهو ما تفعله ألمانيا في محاولة الحفاظ على استخدام اللغة الألمانية في البحث العلمي مع إمكانية الأداء باللغة الإنجليزية، حيث تبذل فيه ألمانيا جهدًا كبيرًا، وهي إلى الآن ناجحة برغم الصعوبات.

من الأمثلة القوية العملية على ارتباط اللغة بنهضة الشعوب وقيامها ما قام به الصهاينة في الطريق إلى إنشاء كيان لهم – تحت حركة عُرفت بالصهيونية- فاللغة العبرية لغة كانت قد ماتت منذ زمنٍ بعيدٍ، وأصبح التحدث بها مقتصرًا على بضعة آلاف حول العالم، وهم رجال الدين اليهودي، فعمل الصهاينة على إعادة إحياء العبرية من جديد، واشتقاقها مرة أخرى من جذورها، فكان ذلك إحدى وسائلهم نحو الصهيونية، ثم قاموا فيما بعد بعملية «عبرنة» للتعليم لديهم لتصبح العبرانية لغتهم العلمية والعملية، السؤال هنا: كيف سبقت نهضةٌ ثقافية نهضةً قومية؟ علماً بأن هذا السؤال هو عنوان للفصل الرابع من كتاب «عصور نهضة أخرى».

اقرأ أيضًا:تعريب المناهج: علميًا هل وزير التعليم على صواب؟

في الختام: أعتقد أن الدعوات للتعلم باللغة الأم ستزداد في الفترة القادمة، خاصة في الدول التي تبحث عن كيانها في مصاف الدول الرائدة، والتي يتوقف اختيارها لهذا الأمر على الشعب نفسه ووعيه، ومدى قابليته لقبول المجاهدة في مثل هذا الأمر وعدم الركون إلى الطريق الأسهل.

هناك سؤال أخير يطرح نفسه: هل المساعي وراء هذه الخطوة من وزارة التربية والتعليم المصرية هي عملية جادة ومشروع قومي ممتد، أم مجرد لفت انتباه وإحداث صخب إعلامي وتكملة لمسلسل القرارات الغابرة؟

مقال لــ عمرو مهدي على موقع إضاءات.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *