صور مشرقة من تربية السلف لأولادهم

1-  الزبير بن العوام- رضي الله عنه-

تربى في حجر أمه صفية بنت عبد المطلب- رضي الله عنها- ونشأ على طبعها وسجيتها، تلك المرأة الشجاعة الكريمة.

ومن صور شجاعتها ما كان منها في معركة أحد، عندما أغرت هند بنت عتبة- رضي الله عنها- بحمزة بن عبد المطلب- رضي الله عنه- من خالسه فصرعه، وكان قد قتل آلها يوم بدر- فنفذت إليه، فبقرت بطته، ونزعت كبده، وجدعت أنفه، وصلمت أذنيه، وعندما انقضت المعركة كادت جثمان حمزة تحيل من فرط ما مثل به، فلما وقف به رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد حزنه لما أصاب عمه البطل الكريم، ووقف بنجوة منه، ثم أبصر فوجد عمته صفية بنت عبد المطلب مقبلة، لتنظر ما فعل القوم بأخيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام :  “دونك أمك فامنعها” واكبر همه ألا يجد بها الجزع لما ترى، فلما وقف ابنها يعترضها قالت :  “دونك لا أرض لك لا أم لك”.

وهنالك ارتجفت أحناء بطل قريش، وزلزلت قدماه، واعتقل لسانه، وكر راجعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه حديث أمه فقال :  “خل سبيلها”.

ثم انفرجت صفوف الناس لعمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسارت حتى أتت أخاها فنظرت إليه، فصلت واسترجعت، واستغفرت له، وقالت لابنها :  “قل لرسول الله ما أرضانا بما كان في سبيل الله، لأحتسبن، ولأصبرن إن شاء الله “.

2- وهذا أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه- تتقل في تربيته بين صدرين من أملأ صدور العالمين حكمة، وأحفلها بجلال الخلال وكريم الخصال، فكان مغذاه على أمه فاطمة بنت أسد، ومراحه على أم المؤمنين خديجة بنت خويلد- رضي الله عنها-.

3- وهذا أمير المؤمنين، أريب العرب، وألمعيها معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنهما- من كان وراءه؟ لقد كان وراءه أم عظيمة هي هند بنت عتبة- رضي الله عنها- وهي القائلة وقد قيل لها ومعاوية وليد بين يديها :  إن عاش ساد قومه. قالت :  ثكلته إن لم يسد إلا قومه.

وكان معاوية إذا نوزع الفخر بالمقدرة، وجوذب بالمباهاة بالرأي- انتسب إلى أمه، فصدع أسماع خصمه بقوله :  أنا ابن هند.

4- وهذا عبد الله بن الزبير- رضي الله عنه- كان وراءه أم كريمة شجاعة هي أسماء بنت أبي بكر الصديق- رضي الله عنهما- وهي القائلة وقد نعي ابنها عبد الله :  “ما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل “. وهي القائلة- أيضاً- قبل ذلك عندما استشارها ابنها عبد الله بن الزبير في قتال الحجاج :  “اذهب والله لضربة بالسيف على عز أفضل من ضربة بالسوط على ذل”.

5- وهذا أمير المؤمنين أعدل الملوك وأورعهم، وأزهدهم أبو حفص عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى- من كان وراءه؟ إنها أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب أكمل أهل دهرها كمالاً، وأكرمهم خلالاً.

6- وهذا عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، ذلك الفتى الذي كملت مروءته، وتناهى سؤدده فكان مضرب المثل في العلم والشجاعة، والزهد والعبادة بالرغم من أنه توفي وهو في التاسعة عشرة من عمره.

فمن كان وراءه؟ لقد كان وراءه والده الزاهد عمر بن عبد العزيز، وأمه فاطمة بنت عبد الملك بن مروان.

7- وهذا سفيان الثوري، وما أدراك ما سفيان الثوري؟ إنه فقيه العرب، ومحدثهم، وأحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، إنه أمير المؤمنين في الحديث.

وما كان ذلك العلم الشامخ، والإمام الجليل إلا ثمرة أم صالحة، حفظ لنا التاريخ مآثرها وفضائلها ومكانتها، وإن كان ضن علينا باسمها.

روى الإمام أحمد بسنده عن وكيع قال :  “قالت أم سفيان لسفيان :  يا بني :  اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي “. فكانت- رحمها الله- تعمل وتقدم له؛ ليتفرغ للعلم، وكانت تتخوله بالموعظة والنصيحة؛ قالت له ذات مرة – فيما يرويه الإمام أحمد- :  “يا بني إن كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك “.

8- وهذا الإمام الحبر، الفقيه البحر، العالم النحرير؛ الذي دنت له قطوف الحكمة، ودانت له نواصي البلاغة، إنه محمد بن إدريس الشافعي الذي ملأ أقطار الأرض علما وفقها وفضلاً- كان ثمرة الأم العظيمة، فقد مات والده وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وأشرقت عليه بحكمتها، وكانت امرأة من فضليات عقائل الأزد.

9- وهذا أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر :  الذي ولي الأندلس، وهي ولاية تميد بالفتن، وتشرق بالدماء، فما لبث أن قرت له، وسكنت لهيبته، ثم خرج في طليعة من جنده، فافتتح سبعين حصنا في غزوة واحدة، ثم أمعن بعد ذلك في قلب فرنسا، وتغلغل في أحشاء سويسرا، وضم أطراف إيطاليا، حتى ريض كل أولئك له.

وبعد أن كانت قرطبة دار إمارة يذكر فيها الخليفة العباسي على منابرها، وتمضي باسمه أحكامها- أصبحت مقر خلافته، يحتكم إليها عواهل أوروبا وملوكها، ويختلف إلى معاهدها علماء الأمم، وفلاسفتها.

أتدري ما سر هذه العظمة؟ وما مهبط وحيها؟ إنها المرأة وحدها؟ فقد نشأ عبد الرحمن يتيما قتل عمه أباه، فتفردت أمه بتربيته، وإيداع سر الكمال وروح السمو في نفسه، فكان من أمره ما علمت.

10- وربما تقول- أيها القارئ الكريم هؤلاء هم السلف الأوائل، فـ :

لا تعرضن بذكرهم مع ذكرنا               ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

وأقول لك :  إن الأمثلة في هذا السياق لا تكاد تنقضي؛ فالخير- ولله الحمد- موجود في هذه الأمة، وإليك هذا المثال لإمام من أئمة العلم، والفضل، والزهد، والتقى ولد عام 1330 هـ وتوفي عام 1420هـ بعد أن خلف سيرة غراء، وذكرا أطيب من ريح المسك، بعد أن ملأ الدنيا علما وفضلا، وإصلاحا؛ إنه سماحة الإمام العلامة الحبر البحر الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله رحمة واسعة- لقد مات والده وهو صغير، حيث إنه لا يذكر والده، وكان ضعيف البنية في صغره؛ حيث لم يستطع المشي إلا بعد أن بلغ الثالثة من عمره، فمن كان وراءه حتى صار إلى ما صار إليه؛ لقد تعهدته والدته بالتربية، والعناية؛ فكان- منذ نعومة أظفاره- سباقا للخير، مواظبا على الطاعات، مبكرا للصلوات، وكان معروفا بالكرم منذ صغره، ومنذ أن كان يطلب العلم على المشايخ؛ فكان إذا سلم عليه أحد دعاه إلى غدائه أو عشائه، وكان يأخذ زملاءه في الضحى؛ ليطعمهم التمر وما تيسر، مع قلة ذات اليد، وشظف العيش آنذاك.

ألف المروة مذ نشا فكأنما                     رضع اللبان بها صبياً مرضعاً

ولقد كانت أمه- بعد توفيق الله- نعم المعين والمربي والموجه له.

وإلا كيف يبلغ هذه الإمامة وذلك التفرد مع يتمه، ومع مرض العيون الذي أصابه في سن السادسة عشرة، وذهب ببصره وعمره تسع عشرة سنة؛ وما زالت أمه وراءه حتى توفيت وعمره خمس وعشرون سنة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *